أخبار دولية

الضفة الغربية: اين السلطة بين المداهمات اليومية وتهديدات الضم ؟

سوسن كعوشصحفية فلسطينية مقيمة في لبنان تعيش الضفة الغربية اليوم حالة من التوتر المستمر، حيث تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، والهوية مع الاحتلال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الفلسطينية وتعقيداتها المتراكمة.وتشهد الضفة في الأشهر الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق من قبل الجيش الإسرائيلي، يتمثل في حملات مداهمة واسعة، واعتقالات جماعية، واقتحامات متكررة للمدن والمخيمات الفلسطينية، وسط تصاعد الخطاب السياسي الإسرائيلي حول ضم أجزاء من الضفة، أو حتى ضمها بالكامل.فالاقتحامات لم تعد أحداثًا متفرقة، بل تحوّلت إلى سياسة يومية تستهدف مناطق مثل جنين، نابلس، طولكرم، والخليل. في كل ليلة تقريبًا، تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات اعتقال، وتخريب للمنازل، ومصادرة ممتلكات، في مشهد يعكس عقلية العقاب الجماعي.اللافت أن هذه العمليات باتت تركز بشكل خاص على المخيمات الفلسطينية، في محاولة واضحة لتفكيك رمزية اللجوء، وتفريغ هذه المناطق من سكانها، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية في الضفة.,في سياق متصل، تتصاعد التصريحات الإسرائيلية حول نية ضم الضفة الغربية، خاصة بعد اعتراف دول أوروبية بدولة فلسطين. مسؤولون إسرائيليون صرّحوا بأن الضم قد يكون ردًا سياسيًا على هذه الاعترافات، ما يثير مخاوف حقيقية من فرض واقع جديد على الأرض.الضم لا يعني فقط السيطرة القانونية، بل يتضمن توسيع المستوطنات، شرعنة البؤر الاستيطانية، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء إلى جهات مدنية إسرائيلية، ما يهدد بتدمير أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.إن الفلسطينيون يواجهون هذا التصعيد بمزيد من الصمود، رغم التضحيات الكبيرة. أكثر من 1000 شهيد سقطوا في الضفة منذ بداية الحرب على غزة، وآلاف المعتقلين، في ظل غياب أي حماية دولية فعلية.أما دوليًا، فهناك إدانات متفرقة، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى الضغط الحقيقي على إسرائيل لوقف هذه السياسات. التهديد بالضم يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، لكنه يُواجه بصمت دبلوماسي في كثير من الأحيان.بلا شك إن الضفة الغربية اليوم ليست فقط ساحة مواجهة، بل هي قلب القضية الفلسطينية. ما يجري من مداهمات وتهديدات بالضم ليس مجرد أحداث أمنية، بل هو محاولة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية، وتصفية القضية من جذورها. وفي ظل هذا الواقع، يبقى صوت الناس، وصمودهم، هو الحاجز الأخير أمام مشروع الإلغاء.الاحتلال العسكري وتوسّع الاستيطانمنذ احتلالها عام 1967، تخضع الضفة الغربية لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة، تتخللها نقاط تفتيش، جدار فصل عنصري، ومناطق مصنفة (A، B، C) وفقًا لاتفاق أوسلو. إلا أن الواقع تجاوز هذه التصنيفات، إذ باتت مناطق “A” التي يفترض أنها تحت سيطرة فلسطينية، عرضة للاقتحامات اليومية من قبل الجيش الإسرائيلي.الاستيطان يُعدّ أحد أبرز أدوات السيطرة، حيث تنتشر أكثر من 150 مستوطنة إسرائيلية في الضفة، يقطنها نحو 700 ألف مستوطن. هذه المستوطنات تُبنى على أراضٍ فلسطينية مصادرة، وتُحاط بشبكات طرق التفافية تمنع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، مما يخلق واقعًا من “الكانتونات” المعزولة.وتشهد مدن مثل جنين ونابلس والخليل مواجهات شبه يومية، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات اقتحام واعتقال، غالبًا ما تسفر عن سقوط شهداء وجرحى. في المقابل، تنشط مجموعات مقاومة محلية، بعضها مستقل عن الفصائل التقليدية، ما يعكس تحوّلًا في طبيعة الفعل المقاوم، من التنظيم المركزي إلى المبادرات الفردية أو المحلية.الواقع الأمني لا يقتصر على المواجهات المسلحة، بل يشمل أيضًا الاعتقالات الإدارية، التي تُنفذ دون محاكمة، وتطال مئات الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء.أزمة شرعية وتآكل الدورتواجه السلطة الفلسطينية أزمة شرعية متفاقمة، نتيجة غياب الانتخابات، وتراجع الثقة الشعبية، واتهامات بالتنسيق الأمني مع الاحتلال. هذا التآكل في الدور السياسي والاجتماعي للسلطة، جعلها عاجزة عن حماية المواطنين أو تقديم نموذج حكم فاعل، ما دفع قطاعات واسعة من الشباب إلى البحث عن بدائل، سواء عبر المقاومة أو الانخراط في العمل المدني المستقل.كما تعاني الضفة الغربية ت من معدلات بطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب والخريجين، إلى جانب أزمة سكن، وتضييق على الحركة بفعل الحواجز العسكرية. كما أن الجدار العازل فصل آلاف العائلات عن أراضيها، وقيّد الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية.ورغم ذلك، يظل المجتمع الفلسطيني في الضفة نابضًا بالحياة، حيث تنشط المبادرات الثقافية، والمؤسسات الحقوقية، والحركات النسوية، في محاولة للحفاظ على الهوية ومقاومة التهميش.إن الضفة الغربية ليست مجرد ساحة صراع، بل هي مرآة تعكس جوهر القضية الفلسطينية: شعبٌ يسعى للحرية، في مواجهة منظومة استعمارية متجذرة. وبينما يشتد الخناق العسكري والسياسي، يظل صوت الناس، وصمودهم اليومي، هو التعبير الأصدق عن إرادة الحياة والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى