مقالات

لماذا تعمد الرئيس نبيه بري وصف الرئيس الأمريكي ترامب ب( يولويس قيصر ) ؟

رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري وفي معرض حديثه عن ” عن الميكانيزم ” وهي آلية مراقبة عملية وقف اطلاق النار بين لبنان واسرائيل قال : «ليس في العالم اليوم سوى دولة واحدة، وليس فيه سوى إمبراطور واحد. نحن في عالم يحكمه يوليوس قيصر.» .

في لبنان، يتكرر يوميًا خطاب سياسي وإعلامي يُكثر من استحضار «القانون الدولي» وكأنه سلطة جاهزة للتدخل الفوري وحل الأزمات وحماية الدول الضعيفة وردع القوى الكبرى. هذا الخطاب، الذي يقدّمه بعض السياسيين والمحللين بوصفه الحل السحري، يعيش في عالم منفصل عن الواقع الدولي الفعلي، ويخلق لدى الناس أوهامًا أكثر مما يقدّم إجابات.

في هذا السياق تحديدًا جاء توصيف رئيس مجلس النواب نبيه بري للرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ«القيصر». لم يكن الوصف تاريخيًا ولا انفعاليًا، بل سياسيًا بامتياز. بري أراد القول إن ترامب يتصرّف بعقلية الحاكم الفرد الذي يضع نفسه فوق المؤسسات الدولية ، ويعتمد منطق القوة والقرار الأحادي، تمامًا كما فعل يوليوس قيصر عندما تجاوز مجلس الشيوخ وحوّل الجمهورية الرومانية إلى حكم شخصي . التشبيه حمل رسالة واضحة مفادها أن العالم في عهد ترامب لم يعد يُدار بروحية القانون الدولي، بل بمنطق الأمر الواقع وفرض الإرادة بالقوة.

تجربة حكم ترامب عزّزت هذا المعنى. فقد تعامل مع القانون الدولي بوصفه أداة انتقائية، يُستخدم عندما يخدم المصالح الأميركية ويُهمَل عندما يقيّدها. انسحابات من اتفاقيات، ضرب قرارات أممية بعرض الحائط، وفرض وقائع سياسية واقتصادية خارج أي إجماع دولي، كلها جعلت الحديث عن «قدسية القانون الدولي» أقرب إلى الخطاب النظري منه إلى السياسة الفعلية.

هنا يبرز السؤال الذي يتجاهله الخطاب اللبناني السريالي: هل هناك من يلجم ترامب؟ الجواب الواقعي أن لا أحد يملك لجم رئيس أميركي بهذه الطريقة إلا توازنات القوة داخل بلاده أو تلاقي مصالح دولية كبرى ضده. المؤسسات الدولية وحدها عاجزة، والأمم المتحدة بلا غطاء سياسي من الدول الكبرى تتحول إلى منبر خطابي لا أكثر. لذلك، فإن الرهان على القانون الدولي لكبح زعيم بحجم ترامب من دون امتلاك أوراق ضغط حقيقية هو رهان وهمي .

في الحالة اللبنانية، يتحول الإكثار من الحديث عن القانون الدولي إلى هروب من مواجهة الحقيقة. بدل الاعتراف بضعف الدولة، وانقسام القرار، وغياب القدرة على فرض المصالح، يجري تسويق القانون الدولي كبديل عن السياسة والقوة. وهكذا يُمنَح الرأي العام جرعات من الطمأنينة الكلامية الفارغة ، فيما الوقائع على الأرض تسير في اتجاه معاكس تمامًا.

المشكلة ليست في الدعوة إلى احترام القانون الدولي، بل في تحويله إلى تعويذة تُردَّد بلا شروط. كثيرون يستخدمونه حين يخدم موقعهم السياسي، ويتجاهلونه حين يتعارض مع خياراتهم، ما يفقد الخطاب صدقيته ويحوّله إلى استهلاك إعلامي فارغ.

توصيف نبيه بري لترامب بالقيصر لم يكن تفصيلاً لغويًا، بل اختصارًا لمرحلة دولية تتراجع فيها القواعد القانونية أمام القوة. القانون الدولي لم يُلغَ، لكنه فقد قدرته على الردع في عالم تحكمه المصالح.

أما في لبنان، فالمطلوب التوقف عن بيع الأوهام، والاعتراف بحقيقة بسيطة يفهمها الجميع: لا أحد يلجم الأقوياء بالنصوص وحدها، ولا قانون بلا قوة، ولا عدالة دولية من دون دولة تعرف ماذا تريد وكيف تدافع عن مصالحها.

موقع قلم حر \ خليل الخليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى