مقالات

هذا ما سيحصل عند مغادرة قوات اليونيفل للجنوب اللبناني في نهاية عام 2026 ؟

الجزء الأول ويليه الجزء الثاني :

أُنشئت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (اليونيفيل) في التاسع عشر من آذار عام 1978، بعد دخول القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية في عملية «الليطاني». جاء التأسيس بموجب القرارين 425 و426 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، واللذين طالبا إسرائيل بالانسحاب الفوري ومنحا اليونيفيل مهمة تثبيت الأمن الدولي ومساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها في الجنوب. وعلى الرغم من أن القوة حُدِّدت مهامها بشكل واضح منذ البداية، إلا أن الظروف السياسية والأمنية التي مرّ بها لبنان والمنطقة لاحقًا غيّرت طبيعة دورها ووسّعت وظائفها عبر العقود.

مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، أصبحت اليونيفيل محاصرة بين خطوط الجبهات، وفقدت القدرة على تنفيذ الجزء الأكبر من ولايتها، فيما سيطر «جيش لبنان الجنوبي» الموالي لإسرائيل على أجزاء واسعة من المنطقة. ظل الوضع على هذا الحال حتى العام 2000، عندما انسحبت إسرائيل انسحابًا كاملًا اعترفت به الأمم المتحدة على طول «الخط الأزرق». حينها توسّع دور اليونيفيل لتشمل مراقبة الخط الأزرق المذكور ومساعدة الجيش اللبناني الذي عاد للانتشار تدريجيًا في الجنوب.

غير أن الحرب الإسرائيلية – اللبنانية عام 2006 شكّلت نقطة تحوّل مفصلية. فعقب الحرب صدر القرار 1701 الذي رفع عديد اليونيفيل بصورة غير مسبوقة، ووسع نطاق مهامها لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني في الانتشار جنوب الليطاني والمساهمة في منع تهريب السلاح ومراقبة التحركات على طول الخط الأزرق. ومع هذا القرار، أصبحت اليونيفيل قوة فصل أساسية بين إسرائيل وحزب الله، وآلية تواصل غير مباشرة تمنع الاحتكاكات وتضبط أي مواجهة محتملة.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تبدلًا في المزاج الدولي والإقليمي تجاه استمرار القوة ومبررات وجودها، خصوصًا مع تراجع فعالية مهماتها وتزايد الهواجس الإسرائيلية، فضلًا عن الضغوط المالية على الأمم المتحدة وتراجع أولويات الدول المساهمة جنودًا وتمويلًا. وفي العام 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2790 الذي مدّد ولاية اليونيفيل «للمرة الأخيرة» حتى 31 كانون الأول 2026، مع بدء عملية سحب تدريجي ومنظم خلال العام 2027، وإعادة المسؤولية الأمنية الكاملة للدولة اللبنانية.

هذا التطور يفتح الباب أمام سؤال جوهري: ماذا سيحدث في الجنوب إذا انسحبت اليونيفيل بينما الدولة اللبنانية عاجزة عن بسط سيادتها في المنطقة؟

الاحتمالات ليست بسيطة، ولا تخلو من المخاطر. فغياب اليونيفيل يعني فقدان قناة الاتصال الثلاثية بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي عبر الأمم المتحدة، وهي الآلية الوحيدة التي منعت انزلاق حوادث ميدانية بسيطة إلى مواجهات واسعة طوال السنوات الماضية. كما يعني غياب القوة تراجع القدرة على مراقبة الانتهاكات والخروقات وضبط الإيقاع الأمني الذي منع التصعيد المتواصل منذ 2006.

في حال بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن الانتشار الفعلي في كامل الجنوب، فإن الخط الأزرق قد يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الاحتكاكات، سواء عبر إطلاق نار متبادل أو تحركات غير محسوبة على جانبي الحدود. إسرائيل قد تستغل الفراغ الأمني لتبرير عمليات محدودة داخل الأراضي اللبنانية بحجة إحباط تهديدات مباشرة، فيما قد يرى حزب الله أن انسحاب اليونيفيل يعزز موقعه كقوة أمر واقع في المنطقة. وهكذا تصبح قواعد الاشتباك غير محكومة إلا بموازين الردع المباشرة بين الجانبين، ما يجعل احتمال التصعيد قائمًا في أي لحظة.

المدنيون سيكونون أول المتضررين. إذ قد تتسبب أي توترات أو عمليات موضعية بموجات نزوح داخلية نحو المدن الشمالية أو الساحل، مع تضرر الحركة الزراعية والاقتصادية للقرى الجنوبية. وقد تتعطل شبكات الكهرباء والطرقات والبنى التحتية بسهولة في ظل غياب جهة دولية تملك القدرة على تنسيق عمليات الطوارئ.

على المستوى الاستراتيجي، قد يتطور الوضع نحو واحد من عدة سيناريوهات.

السيناريو الأكثر تفاؤلًا هو قدرة الجيش اللبناني، بمساعدة دولية، على سد فراغ اليونيفيل وتثبيت الوضع الأمني ولو تدريجيًا. إلا أن هذا يتطلب دعمًا ماليًا ولوجستيًا وتقنيًا كبيرًا لا تبدو علامات تأمينه واضحة حتى الآن.

السيناريو الثاني هو توسع نفوذ قوى محلية في المنطقة، ما يجعل الجنوب منطقة شبه مستقلة أمنيًا، ويزيد احتمالات المواجهة مع إسرائيل على المدى الطويل. أما السيناريو الدولي المحتمل فهو طرح قوة بديلة أصغر أو آلية مراقبة جوية أو تقنية، لكن ذلك يحتاج إلى توافق سياسي إقليمي غير متوافر حاليًا.

وفي ضوء هذه المشاهد المحتملة، تبدو الحاجة إلى خطة لبنانية واضحة وواقعية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فانسحاب اليونيفيل ليس مجرد نهاية وجود قوة دولية، بل انتقال إلى مرحلة جديدة قد تكون محفوفة بمخاطر غير مسبوقة إذا بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن الإمساك بالوضع الأمني والسياسي في الجنوب. مصير المنطقة بعد نهاية ولاية القوة الدولية لن يتحدد بقرار أممي فقط، بل بقدرة لبنان على حماية حدوده واستعادة حضوره في منطقة لطالما كانت الأكثر حساسية وتعقيدًا على امتداد تاريخه الحديث.

تقرير موقع قلم حر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى