نتيجة الإنتخابات الأمريكية لبنان بين هدنة القلق واحتمالات الحرب: هل يستطيع اللبنانيون أن يتنفسوا الصعداء؟

بعد ظهور نتائج الإنتخابات الأمريكية يعيش اللبنانيون مرة جديدة على وقع سؤال يقلقهم جميعاً: هل انتهت مرحلة الخطر، وهل أصبح بإمكانهم العودة إلى حياتهم الطبيعية، أم أن الهدوء الذي ينعمون به ليس سوى استراحة قصيرة تسبق عاصفة جديدة؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر إلى ما يجري في المنطقة، وخصوصاً إلى العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وطريقة تعامله مع الأزمات.
ترامب يدخل المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية، وهو يعرف أنه لن يستطيع الترشح لولاية ثالثة. وهذا الأمر قد يحرره من بعض الحسابات الانتخابية التي كانت تفرض على الرؤساء الأمريكيين التفكير في ردود فعل الناخبين قبل اتخاذ قرارات كبيرة. فالرئيس الذي لن يخوض انتخابات رئاسية جديدة قد يصبح أكثر استعداداً للمغامرة، وأكثر اهتماماً بترك بصمة في التاريخ، حتى لو كانت قراراته مكلفة سياسياً.
لكن هذا لا يعني أنه أصبح قادراً على فعل كل ما يريد. فالولايات المتحدة ليست دولة يحكمها الرئيس وحده، وهناك الكونغرس والمحاكم والمؤسسات العسكرية والأمنية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية التي لا يستطيع تجاهلها.
ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي يكمن في أن يعتقد ترامب أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران يمكن أن يحقق له نتائج لا يستطيع الوصول إليها عبر المفاوضات. فقد يرى أن توجيه ضربات قوية لطهران سيجبرها على تقديم تنازلات كبيرة، أو سيضعف نفوذها في المنطقة، أو يمنحه إنجازاً تاريخياً يريد أن يغادر البيت الأبيض وهو يتباهى به.
لكن الحسابات الأمريكية ليست وحدها التي تحدد مسار الأحداث. فإيران ليست دولة تستطيع تجاهل أي هجوم عليها، وقد ترد باستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، أو باستخدام أوراقها الإقليمية. وهكذا يمكن أن تتحول مواجهة كان يُفترض أن تكون محدودة إلى صراع واسع يصعب التحكم بنتائجه.
وهنا نصل إلى لبنان، الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة.
فاللبنانيون يعرفون جيداً أن بلدهم قد يجد نفسه في قلب مواجهة إقليمية، حتى لو لم يكن هو من اتخذ قرار الحرب. وإذا تجدد الصدام الأمريكي الإيراني، فقد تجد إسرائيل في ذلك فرصة لتوسيع عملياتها العسكرية ضد لبنان، خصوصاً إذا دخل حزب الله في المواجهة أو قرر الرد على تطورات إقليمية تمس إيران.
وهذا ما يجعل اللبنانيين عاجزين عن الاطمئنان الكامل. فهم يريدون أن يصدقوا أن الأسوأ أصبح وراءهم، وأن بإمكانهم إعادة فتح مؤسساتهم وأعمالهم ومدارسهم، وأن يعود المغتربون والسياح، وأن يستعيد الاقتصاد بعضاً من عافيته. لكن التجارب السابقة علمتهم أن الهدوء في لبنان قد يكون هشاً، وأن قراراً يتخذ في واشنطن أو طهران أو تل أبيب قد يغيّر حياتهم في ساعات.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار الحرب أمراً محتوماً. فإيران تعرف أن الحرب الواسعة ستكون مكلفة، وإسرائيل تدرك أن الجبهة اللبنانية قد تتحول إلى عبء كبير، والولايات المتحدة لا ترغب بالضرورة في الانجرار إلى حرب طويلة تستنزف قواتها ومواردها. هذه المصالح المتعارضة قد تفتح المجال أمام تسوية أو تفاهم يجنّب المنطقة انفجاراً جديداً.
المشكلة أن لبنان لا يملك وحده مفاتيح هذا القرار، ولذلك يبقى مصيره مرتبطاً إلى حد بعيد بما ستقرره القوى الكبرى والإقليمية.
في المحصلة، يستطيع اللبنانيون أن يفرحوا بكل يوم هادئ، وأن يستعيدوا شيئاً من حياتهم الطبيعية، لكن من المبكر اعتبار الهدوء ضمانة دائمة. فالأفضل أن يعيشوا الأمل من دون أوهام، وأن يتابعوا التطورات من دون هلع.
لقد تعب اللبنانيون من الحروب ومن دفع أثمان صراعات الآخرين. وكل ما يريدونه اليوم هو بلد يستطيعون فيه النوم مطمئنين، والاستيقاظ في اليوم التالي من دون أن يسألوا أنفسهم: ماذا قرر ترامب؟ وماذا ستفعل إيران؟ وماذا ستفعل إسرائيل؟
موقع قلم حر



