عقيدة المقا-ومة المنضبطة : سرد لتغيير نهج الرئيس جوزاف عون في نهجه الإستراتيجي تجاه الهجمات الصهيو-نية

يتناول هذا التقرير التحول التدريجي الذي شهده جوزيف عون من نهج حذر إلى سياسة أكثر استباقية في مواجهة الهجمات الصهيونية. ويوضح التقرير كيف تشكل هذا التحول الاستراتيجي بفعل المعادلات الداخلية للبنان، والضغوط الإقليمية، والاعتبارات الدولية.
مقدمة:
على الصعيد الدولي، تشير التقارير الإعلامية العبرية إلى أن الهجمات الأخيرة التي شنها الكيان الصهيوني نُفذت بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وأن تل أبيب مستاءة من “بطء الجيش في نزع سلاح حزب الله”، مما يدل على تزايد الضغط من واشنطن وتل أبيب لكبح هذه العملية. ويشعر الغرب الآن بالقلق إزاء تشكيل نموذج دفاع وطني مستقل للبنان؛ نموذج يضمن فيه الجيش والمقاومة أمن حدود البلاد دون الاعتماد على المؤسسات الدولية. وقد دفع هذا القلق الكيان الصهيوني إلى استخدام هجماته ليس فقط كرد عسكري، بل أيضاً كأداة سياسية لمنع الجيش وحزب الله من التقارب.
في غضون ذلك، يشير نشر تقرير صحيفة وول ستريت جورنال حول إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله وتزامن ذلك مع التحركات الدبلوماسية والأمنية للولايات المتحدة وحلفائها العرب إلى جهد منظم لإعادة صياغة الخطاب اللبناني من “الدفاع المشروع” إلى “تهديد إقليمي”. من هذا المنظور، يبرز السؤال الجوهري: هل يُعدّ تحوّل جوزيف عون والأمر الأخير الصادر عن قائد الجيش اللبناني بتأجيل نزع سلاح المقاومة، انطلاقًا من انحيازه الضمني للكيان الصهيوني، دليلاً على ضعف سياسي وعزلة، أم أنه جهد مُدبّر من عون والمنظومة العسكرية لإعادة صياغة السياسة الدفاعية واستعادة الشرعية الوطنية للبنان؟ قد يكون بحث هذا السؤال مفتاحًا لفهم مرحلة جديدة من التطورات الأمنية على الحدود الجنوبية وميزان القوى في الشرق الأوسط.
من “شريك محتمل” إلى “داعم ضمني للمقاومة”:
في بداية رئاسته، نظر الغرب والحلفاء العرب إلى جوزيف عون باعتباره “شريكًا محتملاً” لاحتواء حزب الله وإعادة بناء النظام السياسي اللبناني بعد الحرب، ولكن مع مرور الوقت وتزايد الفجوة بين وعود الغرب والواقع على الأرض، انهار هذا التصور. وضعت “خارطة طريق باراك” ودعم الدول العربية لنزع سلاح حزب الله عون في موقفٍ حرج بين الضغوط الخارجية والحساسيات الداخلية. ومع استمرار هجمات الكيان الصهيوني وعجز الولايات المتحدة عن احتواء الأزمة، تضاءلت شرعية خطاب التحالف مع الغرب في لبنان، وانتقل عون تدريجيًا من موقف التعاون مع واشنطن إلى التأكيد على “حق الدفاع الوطني” ضد عدوان الكيان الصهيوني. عشية أكتوبر 2025، تحول من شخصية براغماتية مدعومة من الغرب إلى سياسي قومي رأى بقاءه السياسي في الحفاظ على التوازن بين الحكومة والجيش والمقاومة.
بداية مرحلة جديدة في السياسة الدفاعية اللبنانية.
في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية تقريرًا زعمت فيه أن حزب الله اللبناني استأنف عملية “إعادة بناء قدراته العسكرية” بعد وقف إطلاق النار. وذكر التقرير، نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية وعربية، أن بعض المعدات الدفاعية كانت تدخل لبنان عبر سوريا، وأن بعضها الآخر كان يُصنّع في ورش محلية. كما حذّر التقرير من أن النظام الإسرائيلي “يفقد صبره”، وأنه إذا لم تتخذ حكومة بيروت إجراءً، فقد يشن عملية “من جانب واحد”.
تكمن أهمية هذا التقرير في سياقه السياسي والنفسي أكثر من مضمونه العسكري. ففي تلك الأيام، صدرت الأوامر للجيش اللبناني، بقيادة جوزيف عون، بالرد على أي عدوان صهيوني؛ وهو قرار اعتبره الكثيرون بداية مرحلة جديدة في السياسة الدفاعية اللبنانية. من ناحية أخرى، فإن الهجمات المتجددة التي شنها جيش النظام الصهيوني على جنوب لبنان وأمر قائد الجيش بتعليق نزع سلاح المقاومة، وتماثل هذه الأحداث الثلاثة، خلقت جواً متوتراً ومعقداً أثرت فيه الروايات الإعلامية والقرارات العسكرية على الرأي العام بشكل متوازٍ.
من منظور استراتيجي، سعى تقرير صحيفة وول ستريت جورنال إلى تحقيق هدفين في آن واحد:
أولهما، من خلال تسليط الضوء على مزاعم نقل الأسلحة من سوريا، محاولةً توفير غطاء دولي وشرعية لأي عمل محتمل من جانب الكيان الصهيوني، وإضفاء مبرر سياسي على أي هجوم استباقي؛ وهو ما شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية، بالتزامن مع هجمات الكيان الصهيوني على جنوب لبنان.
وثانيهما، أن هذا الخطاب الإخباري والإعلامي استهدف المناخ السياسي اللبناني؛ إذ أن إثارة مسألة “الاتصالات الأمنية بين لبنان والكيان الصهيوني” زادت من حدة انعدام الثقة في الداخل، ووضعت عون بين خيارين متناقضين: إما أن يتجاهل أنشطة حزب الله، أو أن يتعاون مع الكيان الصهيوني بشكل أو بآخر.
كان هذا الضغط المزدوج هو ما كان عون يحاول التهرب منه تحديداً. فقد سعى سابقاً إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الجيش والحكومة والمقاومة، لكن مقال صحيفة وول ستريت جورنال استهدف هذا التوازن. ومثّل نشر التقرير خطوة استباقية في حرب الروايات، أي خلق سياق يُمكن فيه بسهولة تصنيف أي عمل دفاعي من جانب لبنان على أنه “رد منحاز لمحور المقاومة”.
على الصعيد الإقليمي، لم يكن تزامن هذا التقرير مع زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى بيروت وتواصل وزير الحرب الأمريكي مع بغداد محض صدفة. فقد عكست هذه الأحداث تنسيقاً سياسياً وأمنياً وإعلامياً متعدد المستويات يهدف إلى احتواء تحوّل لبنان من “التعاون مع الغرب” إلى “الدفاع المستقل”.
ونتيجةً لذلك، ينبغي النظر إلى تقرير صحيفة وول ستريت جورنال لا باعتباره انعكاساً للواقع على الأرض، بل كأداة لإعادة تعريف الواقع. فقد رسّخ التقرير، استباقياً، الرواية الصهيونية في أذهان جمهوره، وحوّل سياق قرار عون من “إجراء دفاعي مشروع” إلى “رد فعل محفوف بالمخاطر”. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار نشره بمثابة الشرارة الأولى في حرب إعلامية جديدة، حربٌ كان من شأنها أن تُشكّل ساحة المعركة الحقيقية في جنوب لبنان عبر الكلمات والأخبار، قبل إطلاق رصاصة واحدة.
المعادلة الجديدة بين الجيش وحزب الله والحكومة: تُعتبر
التطورات الأخيرة في جنوب لبنان، ولا سيما الأمر المباشر الذي أصدره جوزيف عون للجيش بمواجهة عدوان الكيان الصهيوني، واقتراح قائد الجيش اللاحق بتعليق خطة احتكار الأسلحة جنوب نهر الليطاني، نقطة تحول في إعادة تعريف معادلة الأمن في لبنان. أظهرت هذه القرارات أن الجيش اللبناني لم يعد مجرد مراقب محايد، بل أصبح تدريجياً جزءاً من منظومة الردع الوطني. بإصداره هذا الأمر، انتقل عون فعلياً من موقف “احتواء المقاومة” إلى دمج الجيش بشكل مشروط في مفهوم الدفاع المشروع؛ وهو تغيير يعكس انهيار النظام القديم وتشكيل عقيدة جديدة لـ”المقاومة المنضبطة”.
من منظور هيكلي، يُعدّ اقتراح تعليق خطة احتكار الأسلحة مؤشراً على عودة زمام المبادرة الدفاعية إلى أيدي المؤسسات اللبنانية الداخلية. وبهذا الإجراء، أقرّ الجيش فعلياً بشرعية الدور الدفاعي لحزب الله، إذ يستحيل مواجهة عدوان الكيان الصهيوني دون التنسيق مع المقاومة. ويُعدّ هذا التطور الأول من نوعه منذ حرب 2006 الذي يتجاوز فيه الجيش اللبناني الإطار التقييدي للقرار 1701 بقرار رسمي. وبهذا، يُعاد تعريف الحدود بين دور الدولة والمقاومة لا على أساس التناقض، بل على أساس التداخل.
أزمة المصداقية الاستراتيجية للكيان الصهيوني:
كما حلل إبراهيم ماجد، فإن الكيان الصهيوني، الذي تحدث قبل عام عن “انتصار كامل” على حزب الله، يعترف الآن بأن المقاومة قد “أُعيد بناؤها”. هذا التحول في الخطاب ليس نتيجة اكتشاف معلومات جديدة، بل هو اعتراف ضمني بالفشل في تحقيق أهداف الحرب. وللتعويض عن هذا الفشل، يحتاج الكيان الصهيوني إلى خلق تهديد جديد لتبرير عدوانه وجرّ الحكومة اللبنانية إلى صراع داخلي مع المقاومة.
مرحلة جديدة من الردع:
من منظور استراتيجي، أدخل أمر جوزيف عون للجيش بالرد المباشر على العدوان لبنان في مرحلة جديدة من الردع الرسمي. وبهذا الأمر، قلّص الفجوة التاريخية بين الحكومة والمقاومة، ونقل مفهوم “الدفاع الوطني” من مجرد شعار إلى واقع ملموس. ورغم أن هذا القرار لاقى تأييدًا من بعض فئات المجتمع، إلا أنه وضع لبنان في قلب ضغوط دبلوماسية من الولايات المتحدة والدول العربية. مع ذلك، يمكن النظر إلى خطوة عون كمحاولة محسوبة لاستعادة سيادة لبنان وشرعية صنع القرار الأمني فيه.
في نهاية المطاف، يندرج لبنان اليوم ضمن إطار الردع الثلاثي: الجيش، والمقاومة، والحكومة؛ حيث يؤدي كل منهم دورًا مختلفًا لكنه متكامل في الدفاع عن
البلاد.
وفي المستقبل، ثلاثة مسارات ممكنة:
أولًا ، ترسيخ الردع المُوجّه من خلال تنسيق محدود بين الجيش والمقاومة؛ ثانيًا ، صراع قصير المدى ومحدود النطاق في حال استمرار هجمات الكيان الصهيوني. ثالثًا ، امتداد التوتر إلى المستوى الإقليمي في حال تدخل محور المقاومة بشكل مباشر. لبنان الآن في حالة بين الحرب والسلام، أو “سلام مسلح”؛ حالة لا يقوم استقرارها على اتفاقيات خارجية، بل على القدرة الداخلية على الحفاظ على التوازن بين الحكومة والجيش والمقاومة.
المصدر : ايزو نيوز





