📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

نتنياهو بعد الانتخابات: هل تعوّض الحرب غياب الأكثرية؟ هنادي عباس — 31 تشرين الأول

خرج بنيامين نتنياهو من الانتخابات الإسرائيلية متقدّمًا على خصومه، لكنه لم يخرج منها بتفويضٍ يحسم عودته إلى الحكم. وبين القدرة على البقاء والعجز عن تأمين أكثرية، ينفتح السؤال الأخطر: هل تصبح المواجهة مع إيران وسيلة لإعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي، بعدما عجزت صناديق الاقتراع عن إنتاج حسم سياسي؟

أُجريت انتخابات الكنيست الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026. وبحسب نتائج الفرز المكتمل، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، ومعسكر غادي آيزنكوت على 48، والأحزاب العربية على 19، من أصل 120. هذه أعداد مقاعد، وليست نسبًا مئوية؛ فالليكود نفسه نال 27 مقعدًا، وحزب «يشّار» بزعامة آيزنكوت 21. وتبقى النتائج بانتظار نشرها الرسمي المرتقب في 4 تشرين الثاني.

تكشف هذه المعادلة حدود انتصار نتنياهو وحدود بديله معًا. فمعسكره يفتقد ثمانية مقاعد لبلوغ أكثرية الـ61، بينما يحتاج آيزنكوت إلى ثلاثة عشر. وصحيح أن جمع المعارضة والأحزاب العربية ينتج 67 مقعدًا، لكن الجمع الحسابي لا يصنع اتفاقًا سياسيًا، خصوصًا مع رفض قوى أساسية في المعارضة الاعتماد على الأحزاب العربية. لذلك تبقى أفضلية نتنياهو في استمراره داخل السلطة، فيما تتوقف فرصة آيزنكوت على تفكيك الاعتراضات داخل معسكره.

أما التمثيل العربي، فيضع القوى الإسرائيلية أمام اختبار قبول الشراكة حين تصبح أصوات المواطنين العرب مؤثرة في هوية الحاكم. المشاركة العربية في الكنيست قديمة، وسبق لحزب «القائمة العربية الموحدة» أن انضم إلى الائتلاف الداعم لحكومة بينيت–لابيد عام 2021. والجديد اليوم هو حجم القدرة على ترجيح الكفة. وقد يستثمر اليمين هذا الحضور في خطاب التخويف، لكن تحويل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية إلى اتهام تلقائي بالانتماء إلى محور إقليمي يحتاج إلى دليل؛ فالأحزاب العربية ليست كتلة متطابقة في برامجها وتحالفاتها.

ويمتلك نتنياهو، خلال أزمة التأليف، موردًا سياسيًا ثمينًا: الوقت. فالحكومة القائمة تستمر في أداء وظائفها إلى أن تتشكل حكومة جديدة، ولا تختزل صفتها الانتقالية صلاحياتها تلقائيًا في الأعمال اليومية. غير أن اتخاذ قرار الحرب تحكمه صلاحيات الحكومة أو اللجنة الوزارية المخوَّلة، ويخضع للرقابة القانونية؛ ولا يتحول إلى صلاحية شخصية مطلقة لرئيس الحكومة. بذلك، قد تستمر القدرة على الفعل الأمني بينما يبقى التفويض السياسي موضع نزاع.

كذلك، لا يقود انتهاء أول مهلة للتأليف تلقائيًا إلى انتخابات جديدة. فالمكلَّف يملك أصلًا 28 يومًا، قابلة للتمديد بما لا يتجاوز 14 يومًا، وتوجد مراحل لاحقة يمكن أن تتيح تكليف شخص آخر ثم مبادرة برلمانية. وتصبح الانتخابات المتجددة نتيجة لاستنفاد المسارات القانونية، ما لم يُتخذ مسار آخر لحلّ الكنيست. وهذا يمنح المفاوضات الائتلافية زمنًا قد يتقاطع مع تطورات إقليمية شديدة الحساسية.

يتعاظم هذا التقاطع مع الدعم الذي قدّمه دونالد ترامب لنتنياهو. فقد أوردت رويترز أن ترامب حثّ الناخبين على إبقائه في السلطة وربط التعاون معه بإيران، وأن نتنياهو تحدّث بعد الاقتراع عن احتمال تحرّك عسكري مشترك جديد. هذه مواقف تبرّر بحث العلاقة بين معركة الحكم والملف الإيراني؛ لكنها لا تثبت وجود اتفاق نهائي على حرب هدفها إنقاذ نتنياهو. سياسيًا، قد يسعى الرجل إلى جعل خبرته الأمنية وعلاقته بواشنطن حجّة للتمسك به أو للضغط نحو ائتلاف أوسع. ويمكن للمواجهة أن ترتدّ عليه إذا حمّله الجمهور كلفتها أو إخفاقها.

وتأتي الانتخابات النصفية الأميركية الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026، لتجعل الأيام التالية محطة تستحق المراقبة. ونسب «أكسيوس» لمصادر ترجيح ضربات واسعة بعد الانتخابات، ما لم تنجح الوساطة.

لذلك يمكن قراءة ما بعد الثلاثاء بوصفه نافذة خطر، مع بقاء تحديد الأربعاء 4 تشرين الثاني موعدًا للهجوم تجاوزًا لما تثبته المعلومات المتاحة. إغلاق صناديق الاقتراع قد يغيّر بعض الحسابات السياسية، فيما تظل كلفة الرد الإيراني، وأمن القوات الأميركية، والطاقة، ومواقف الحلفاء عناصر مؤثرة في القرار.

وفي المقابل، تظل قناة التفاوض مفتوحة. فقد أفادت رويترز، في 30 تشرين الأول، بعودة الوسطاء القطريين إلى طهران ضمن جهود منسَّقة مع واشنطن. ويتمحور خلاف أساسي حول ترتيب الخطوات: واشنطن تريد إدراج الملف النووي منذ البداية، وطهران تطالب بإنهاء حصار موانئها ورفع العقوبات على صادراتها النفطية أولًا. يعكس ذلك تفاوضًا على شروط التسوية ومَن يقدّم التنازل الأول، بالتوازي مع استخدام التهديد العسكري لزيادة الضغط.

في قراءة الحوافز، يبقى احتمال حملة عسكرية قصيرة زمنًا قائمًا، إذا اعتقد أصحاب القرار أنها تفرض تنازلات من دون حرب مفتوحة. لكن قِصَر المدة لا يضمن محدودية النتائج. وقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن بلاده سترد على أي اعتداء بما يتناسب معه أو بأشد منه.

هنا تبرز معضلة الضربة المحسوبة: يحدّد المهاجم أهدافه، ثم يقرّر الطرف الآخر معنى الضرر الذي تلقّاه وسقف الرد عليه. فإذا اعتبرت طهران أن الاستهداف يهدّد بقاء النظام أو قدرته الاستراتيجية، قد تتراجع فرص احتواء المواجهة. ويمكن لعملية تبدأ لفرض شروط تفاوضية أن تنتهي بمعركة أوسع، حتى لو لم يكن اتساعها مقصد الطرف الذي بدأها.

وينطبق هذا التقدير على حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن وفلسطين. فاحتمال مشاركتهم يتأثر بحجم الاستهداف، وقدرات كل طرف، وكلفة تدخله، وظروف ساحته. وقد ترى طهران مصلحة في إبقاء بعض الجبهات خارج المواجهة للحفاظ على قدراتها أو لعدم توسيع الحرب. ويصبح ضبط هذا الخيار أصعب كلما اتسع الاستهداف أو ارتفعت كلفة الامتناع عن الرد.

لبنانيًا، يلزم ضبط ما نُسب إلى إيران. فقد قال النائب حسن فضل الله، في 26 تشرين الأول، إن طهران لم تطلب من حزب الله مساندتها، بينما نسبت تقارير صحافية إلى مصادر رسائل إيرانية بعدم طلب تدخّله. وهذه المعطيات لا ترقى بذاتها إلى تعهّد إيراني رسمي منشور بتحييد لبنان؛ كما أن عدم طلب المشاركة يختلف عن التزام الحزب بعدم التدخل مهما تطورت الحرب.

وتبقى للبنان مخاطره الخاصة. فعدم فتح جبهة إسناد قد يضيّق أحد مسارات التصعيد، لكنه لا يمنع إسرائيل من اتخاذ قرار بالهجوم أو استثمار الاضطراب الإقليمي لفرض وقائع إضافية. ومن هنا تبرز ضرورة موقف لبناني موحّد يحمي الأرض والأهالي، ويواجه الاعتداءات، ويمنع تحويل الانقسام الداخلي إلى فرصة لزيادة الضغط على البلد. حماية لبنان تحتاج إلى عمل سياسي ودبلوماسي واضح يتجاوز الاطمئنان إلى الرسائل المنقولة.

أما التسويات الكبرى، فيمكن أن تفتح مجالًا لأدوار روسية وصينية أوسع تبعًا لمصالح الدول وقدرتها على التأثير. لكن استنتاج انسحاب أميركي من الشرق الأوسط يحتاج إلى مؤشرات مستقلة؛ فقد تقود الأزمة إلى خفض بعض الأعباء، وقد تستدعي انتشارًا إضافيًا. وإعادة توزيع النفوذ تظل مرتبطة بنتائج المواجهة وشروط الاتفاق، إذا أمكن الوصول إليه.

تقف المنطقة أمام مفترقٍ تتداخل فيه أزمة الحكم الإسرائيلي مع حسابات واشنطن ومحاولة إخضاع إيران لشروط جديدة. فهل يتجاوز آيزنكوت اعتراضات معسكره ليحوّل المقاعد إلى بديل حاكم؟ وهل يستثمر نتنياهو التهديد الإيراني لفرض بقائه أو لتوسيع ائتلافه؟ ثم، إذا وقعت الضربة، مَن يضمن بقاءها ضمن حدودها المرسومة؟ الخطر أن يصبح العجز عن تأمين أكثرية في الداخل حافزًا للمغامرة في الخارج، وأن يُطلب من لبنان دفع ثمن معركة على السلطة لم يكن طرفًا فيها.

هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية
31 تشرين الأول 2026 / الجنوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى