ما هي العلاقة التي تربط بين اللغة والمجتمع؟ وهل تعتبر من مكونات الأمة الحضارية ام من الظواهر ؟

فالثامن عشر من كانون الأول هو اليوم العالمي للّغة العربية، يحتفل فيه الناطقون بالضاد ويتشاركون مع هذا العالم الواسع بلغتهم، ثقافتهم وحضارتهم وتاريخهم الإنساني الطويل.
إلا أن هذا اليوم بالنسبة للعرب ليس مجرد يوم احتفالي عادي يمر مرور الكرام، بل هو يوم تكريس انطلاقة الحرف الذي مدّن الإنسانية جمعاء وأخرجها من عهود الظلام الأولى إلى المدنية الأولى التي نشأت على ضفافها كل الحضارات والثقافات كواحدة يرتكز عليها العالم الإنساني بطبيعته الحالية وما قدمت له عبر التاريخ من اشتراك فاعل في الرقي والتقدم على كافة المستويات.
بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين وبلاد شبه الجزيرة العربية هي الأرض الخصبة التي انجبلت فيها المعارف والعلوم بجبلة الإنسان العربي الذي أبحر في كل اتجاه حتى وسعت أقدامه كافة أنحاء المعمورة حاملاً رسالته الإنسانية، يبني ويعمر في ترحاله وأسفاره، ويترك آثاره خالدة خلود التاريخ والإنسان. فأينما حط حطّت معه الأبجدية، فكانت رسالة الحضارة التي مدنت الإنسانية كلها، وانطبعت أبجديته بثقافاتها من فجر التاريخ الإنساني إلى آخر سرمديته اللامتناهية. كانت الألف باء… كانت اللغة التي غيّرت وجه العالم وأعطته بُعداً ثقافيّاً إنسانياًّ حضاريّاً خالداً.
فالعالم العربي عبر تاريخه الطويل كان مركزه العلمي والسياسي بلاد الشام والعراق . وهذا لا ينفي أبداً بأن العالم العربي المترامي هو واحد من الحضارات التي ساهمت بنشر علوم الفلسفة والهندسة والفلك وكذلك بالحرف والقلم، كما أن ذلك لا ينفي بأن اللسان العربي هو حقيقة نفسية فاعلة والأمة السورية لها حقيقة فاعلة ضمن هذا اللسان في العالم العربي.
بكل قوتنا الثقافية والمرتكزة على تاريخنا الحضاري الطويل، كل اشتراك او اي مبادرة هو لضمان حقيقتنا الفاعلة بالإنتاج الإنساني في كافة المجالات كعنصر فاعل له مركزيته التاريخية، وكأساسٍ لنشوء المعارف والعلوم والحضارة الإنسانية، وليس ملحقاً بها أو تابعاً لها، بل منشئاً ومتدبراً فيها.
اللغة العربية هي صناعة من صناعات هذه الأمة المعطاءة عبر تاريخها كصاحبة إبداع و”ابتكار أصلي” قدمت للإنسانية كل شيء قد ساهم في التطور الحضاري-التمدني-الإنساني حتى أصبح العالم على شاكلته الحالية بما فيه من تقدم وعلوم وحضارة حديثة ماثلة أمام الأعين، نشأت هي نفسها في العقول.
الأمة الناطقة باللسان العربي الأصيل الذي سكبت نفسها فيه، وأعطته من تاريخها الطويل، هي ذاتها تقدمت مراراً وكافحت للحفاظ عليه في صراع الوجود، وصانته، وحفظته، وجعلته الأبجدية الإنسانية التاريخية العالمية، وكما عيّن صاحب الدعوة الى الاسلام المحمدي الأصيل النبي محمد(ص) الذي يعتز باللسان العربي ودوره الفاعل في الثقافة الإنسانية وتطورها، والذي بعث مفهوم الأمة العربية إلى الحياة بعثاً خالداً لا ينكر عروبة لسانها الواقعي الحقيقي بمواجهة عروبة الزيف والمصالح بقوله الضامن لصيانة هذا اللسان كلسان سوري أصيل يدافع عن الحرف واللغة، كما التاريخ والإنسان، كما الحضارة والعلوم والمعارف. تعتبر الإمارات العربية اليوم هي الدرع الواقي لحضور العالم العربي ولسانه وهذه اللغة الإنسانية الشاملة ” زجبهة العالم العربي وصدره وسيفه وترسه، حماة الضاد ومصدر الإشعاع الفكري في العالم العربي كلّه. وصون اللغة من الغزو الثقافي
شكل اللغة العربية أهم العوامل التي تقوم عليها أمتنا، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل: التاريخ والدين والاقتصاد إلخ… وهي تشكل عنصرا أساسيا في بناء هوية كل فرد من هذه الأمة. ومما يزيد من أهمية هذه اللغة عند العرب والمسلمين؛ أن معجزة الرسول محمد(ص) الكبرى هي القرآن الكريم، جاءت بهذا اللسان العربي المبين، ومن هنا جاء استهدافها، خلال القرن الماضي بعدد من الاتهامات غير الصحيحة، من مثل أنها صعبة القواعد والإملاء، وبأنها لغة غير علمية، لذلك ارتفعت الأصوات في عدد من البلاد العربية مطالبة باستبدال العامية بالفصحى، وقد رفع عدد من المفكرين امثال سلامة موسى ولويس عوض حناجرهم منذ مطلع القرن العشرين بهذه الدعوة، وما زالت الهجمة عليها مستمرة. ولكن هذه الحملة لم تنجح، ولم يعتمد أي بلد عربي العامية لغة رسمية فيه، لكن حملة من نوع آخر نجحت، وهي تفشي استعمال اللغات الأجنبية؛ كالإنجليزية في التدريس منذ المرحلة الابتدائية، واعتمادها كلغة أساسية في تدريس جميع العلوم؛ من طب وهندسة.يجب ان يمتلك كل فرد من أفراد المجتمع ثقافة موسوعية، ويتقن أكثر من لغة وأن يتوسع في اكثر من ثقافة بكل وعي وإدراك حتى يستطيع النهوض بمجتمعه إلى الرقي ومن هنا يجب ان نسعى لإمتلاك المعارف واللغات ولكن يجب أن نحافظ على منهج كل لغة وكتابتها وأحرفها كي لا تفقد أي لغة هيبتها وأهميتها وتصبح مجردة من القواعد خالية من الأصول فقط تصبح حالة للتخاطب الغير ممنهج ونعود في هذا الواقع إلى العصور القديمة في المخاطبة ما قبل اكتشاف الحرف. وهذا ما يتربصة ببلادنا اليوم من خطر وهذا ما يريده أعداء أمتنا العربية أن نتجرد من قوتنا … ولغتنا أحد أهم شروط قوتنا ..
■في الختام لغتنا العربية ميزان حضارتنا ومشعل نهضتنا..
ونحن كمهتمين بشؤون اللغة وآدابها كان لا بد من الإضاءة على هذا الموضوع بشكل أكثر وضوح فهي ليست مجرد أداة تواصل ومخاطبة إنما يمكن إعتمادها السمة الأولى التي تميز بين المخلوقات وتحدد هوياتها ، فإذا أمعنا أكثر نجد أن لكل نوع من هذه الخلائق لها لغة خاصة بها منذ نشأتها . إذا اللغة مرتبطة بالوجود وأي عملية تواصل تعتبر لغة وليس العكس على مبدأ الإستظهار الفلسفي الذي يعتبر الكل أساس الجزء فاللغة هي الكل وأما التواصل جزء منها لذا تعتبر هي الأصل . وفي الرواية الدينية نجد ان الله خلق جميع المخلوقات بنمط حياتي وخصوصية لكل جنس وخص الإنسان المخلوق الحيواني بالعقل والتقويم وأن الله علم آدم الإنسان الأسماء كلها ليخاطب الملائكة بها إذا كان لا بد من لغة موجودة ليظهر قدرته، ولولا هذه اللغة لما استطاع العقل أن يتميز وقد لا يساوي شئ دونها وكذلك دورها في الغريزة الحيوانية فكل فئة تحافظ على إسلوبها ( لغتها) لتحافظ على وجودها إن كان في التزاوج أو تحصيل الغذاء أو الراحة فتجد أن لكل أنواع المخلوقات نظام تواصلي دقيق وشامل نستطيع ان نقول عنه لغة وكل فئة لها لغتها الخاصة بها ( النمل النحل الأسود الإنسان… ).
وإذا أخذنا الإنسان قبل اللغات المحكية نجد أنه قد اعتمد اللغة الغرائزية ولكن بوجود العقل إستطاع أن يصقل إسلوبه ويرتقي بذاته وهذه مهمته الذي خلق لأجلها حتى وصلنا إلى ما نحن عليه من التطور والرقي والتنوع وطور في إسلوبه بدقة حرفية وبلاغة إبداعية..
إذا هذا الإرتباط الوجودي بين اللغة والمخلوقات يحتاج إلى العناية للحفاظ على ما يميزها وبما أن الفئات البشرية تتميز بتنوع الأساليب فكل فئة وجب عليها أن تحافظ على إسلوبها وسلوكها لتحافظ على وجودها وتميزها وبما أننا نحن نتميز بلغتنا العربية التي تعتبر نموذج متطور من اللغات القديمة برقيها وإبداعها وتنوعها ودقتها وبلاغتها وجب علينا أن نرعى ونهتم بأصولها وفصحتها لنحافظ على ما يميزنا في التجمهر وعلى وجودنا كأمة عربية واحدة حتى تبقى لغتنا مشعالا” يضيء سماء حضاراتنا وميزانا” للعلم والبيان وصواع للعلوم والمعارف.فلنصن لغتنا بصون لساننا أمة فاعلة ناهضة تستعيد موقعها الإنساني الفاعل بين الامم.
رسالتنا هذه؛ لكل ناطق بلغة الضاد هي بمثابة دعوة من اجل صيانة هذه اللغة بلسانها الفصيح لتبقى مشعالاً إنسانياً وهّاجا يضيء مسارح الدنيا بالفن والإبداع، ويشعشع طرقات الإنسانية خلوداً بوهج الألف باء … أبجد هوز حطي كلمن… هي اللسان الحق أم اللغات والألسن كلها على الإطلاق. لغتنا الجميلة نرقى بها وترقى بنا …
وعلها تكون ممتعة للقراءة وتضيء شمعة في وجه ظلام الجهل والسفاهة وتنير طريق ابنائنا بمنارة العلم والأخلاق اللذان يستظلان بشجرة اللغة التي بدورنا نسقيها من ماء شغفنا بها حتى تثمر عقولا” غنية بالمعرفة، نستثمرها لنشر العلم والوعي والإدراك لتعزيز ثقافة القراءة وصنع مجتمع المعرفة .
الدكتورة منى حسين باحثة دراسات عليا بالحضارة العربية وعلم الآثار الكلاسيكي




