رئيس حزب الكتائب السابق بقرادوني عن الإمام الصدر :انا على سفر .. وعند عودتي سنتكلم فيما يجب فعله من ثورة واصلاح في النظام اللبناني

محاضرة لرئيس حزب الكتائب اللبنانية السابق معالي الوزير كريم بقرادوني لدى مشاركته في مؤتمر الإمام الصدر الذي عقد في ثانوية الشهيد حسن قصير في بيروت برعاية دولة الرئيس نبيه بري والذي نظمه منبر الإمام الصدر الثقافي.
تجربتي مع الإمام موسى الصدر
كريم بقرادوني
شاءت الظروف أن التقى الامام موسى الصدر في مطلع تمركزه في لبنان سنة 1969، وتناولت اللقاءات بداية مسألتين: مسألة الصراع العربي الاسرائيلي وسألة الكيان اللبناني المستقل والوطن الابدى السرمدي وكان موقف الامام أنه يحترم عشق المسيحيين وبخاصة الكتائبيين بلبنان لكن صفتي الابدي والسرمدي لا تطلق الا على الله جل جلاله، واقترح ان يقال عن لبنان وطناً نهائياً لجميع ابنائه، وساهمت هذه الصيغة في انهاء حرب لبنان واحتل لبنان الوطن النهائي مقدمة الدستور اللبناني.
اخبرني ميشال اسمر مؤسس الندوة اللبنانية، ان الامام قصده في أواخر العام 1968 وهو يرغب بان يتعلم اللغة العربية على يده، ويذكر ميشال اسمر أن الامام ارتكب 25 غلطة في أول درس في الاملاء، لكنه اصبح بعد سنتين ضليعاً باللغة العربية يقود بواسطتها جماهيره مع لكنة فارسية محببة.
في هذا السياق، ونزولاً عند طلب الامام، شكل ميشال اسمر لجنة مصغرة خماسية تلتقي اسبوعياً مع الامام في مركز الندوة ومؤلفة منه ومن غسان تويني ومروان حماده ومني وبخاصة من نائب رئيس الاركان في الجيش اللبناني موسى كنعان
كان الامام يصر على ممثل الجيش اللبناني بالقول: “نحن نتفهم سياسة تحييد الجيش اللبناني في معركة غير متكافئة مع اسرائيل، لكن نحن لا تطلب من الدولة اللبنانية لا مالاً ولا سلاحاً ولا مقاتلين ولا توريط الجيش اللبناني، تطلب من الدولة اللبنانية تأمين الملاجئ للجنوبيين المدنيين فحسب.
رأى الامام ان العيش المشترك هو ما يميز الصيغة اللبنانية. ففي العالم دول اسلامية كثيرة يعيش فيها المسيحيون كافلية فلا يشتركون فى القرار، كما أن هناك دولاً مسيحية كثيرة يعيش فيها المسلمون كافلية فلا دور لهم في القرار، وحده لبنان يقوم على العيش المشترك والحكم المشترك فيحكم المسلم والمسيحي معا مناصفة بمعزل عن منطق العدد، فعلى سبيل المثال: اذا تراجع عدد المسيحيين في لبنان تبقى رئاسة الجمهورية للمواربة، وان قن عند السنة تبقى رئاسة الحكومة حصتهم والشيعة هم الركيزة الثالثة في الحكم.
تعمد الامام ابراز أهمية العيش المشترك والحكم المشترك فشارك في قداس يوم الجمعة العظيمة في كنيسة الكبوشية والقى خطبة لالغاء الطائفية، كما صلى يوم الجمعة في الجامع الأموي وألقى خطبة دينية لدره أي فتنة سنية شيعية.
ونادي الامام بحركة المحرومين، وميز بين المحرومين في أرضهم أي فقراء كل الطوائف، والمحرومين من أرضهم أي المهجرين والفلسطنيين، وأكد أن الحرمان يصيب المسيحيين والمسلمين على السواء. وكنت واحداً من كثيرين يقترحون عليه تأسيس حزب المحرومين وترؤسه، وكان جوابه واحداً: أنا مستعد أن أؤسس وأتراس حزب المحرومين شرط ان يكون المؤسسون لا يقلون عن خمسين أو مئة شخص مناصفة بين مسلمين ومسيحيين، فلا اريد حزباً طائفياً إضافياً، فالحزب الطائفي لا يقدر أن يواجه الطائفية والفساد داخل الطائفة. تركيبة المؤسسين هي الخطوة الأولى التي تعطي صورة عن الحزب الجديد الذي يملك القدرة على مكافحة الطائفية ومكافحة الفساد داخل كل الطوائف وداخل كل لبنان. وحذر الامام من خطر الفتنتين: فتنة اسلامية سيحية تتكرر كل عشرة سنوات وتبتكر لها التسويات، وفتنة سنية شيعية قد تكون اخطر من الأولى.
إلى جانب العيش المشترك وحركة المحروسين اطلق الامام “حركة أمل” لتحرير لبنان على قاعدة ان اسرائيل شر مطلق، وعدو كل اللبنانيين، وأن الأرض لا يحررها الا اهلها، واعلن في مهرجان بعبليك “ان السلاح زينة الرجال”، و”واجب اقتناء السلاح كواجب اقتناء القرآن”، وشكل نبيه بري اليد اليمنى للامام في حراكه السياسي والشعبي. واصبح المرجع لحل المشاكل مع الجيش اللبناني والاجهزة الأمنية وللتنسيق مع حزب الله، واحتل محل الامام عند غيابه.
وكلما استذكر تجربتي مع الامام استذكر تلقائياً الشح محمد يعقوب والسيد عباس بدر الدين ولهما في قلوب محبي الامام المكانة التي يحتلها الامام نفسه، فهما والامام في الغياب واحد.
وفي الختام تعاودني صورة اجتماعي الاخير مع الامام قبيل مغادرته لبنان للمرة الأخيرة. طلب مني ان ارافقه إلى الطابق العلوي حيث يقيم مع عائلته وقد أعدت له الاركيلة التي لم يكترث لها، فسألته عن صحته فأجاب: “صحتي جيدة الحمد الله لكن فكري غير مرتاح المؤامرة على لبنان كبيرة ومناعة اللبنانيين ضعيفة امام مشاريع التقسيم والفتنة والتدويل. ولا خلاص للبنان الا بوحدة ابنائه وعدالة حكامه وعزيمة مقاوميه. حدق بي بعينيه الزرقويتين وشخصيته الجاذبة وكأنه يريد أن يودعني وصيته فقال: انا على سفر ومهمتي ليست سهلة. وعند عودتي سنتكلم فيما يجب فعله من ثورة واصلاح في النظام اللبناني”.
خرجت من عنده وللمرة الأولى انا قلق. غير أني ما كنت اتصور اني سانتظره ٤٨ سنة وما زلت انتظر حلم الثورة والاصلاح.
بيروت في 10 ايلول 2026
كريم بقرادوني




