هارون ذلك الصديق الذي لم يخشى في الحق لومة لائم …

تعود معرفتي بالراحل هارون الى العام ١٩٩٣ وكان مركز خدمتي يومها في مفرزة استقصاء الجنوب ، وبنينا صداقة طيبة مبنية على الثقة المطلقة نظرا لأنتمائي السابق قبل الوظيفة لحركة امل . وكلما تواجدت في منطقة تبنين كان لا بد من اللقاء بذلك الطاهر النقي …
كان ينسى وكنت انسى اني لم اعد منتميا لحركة أمل وكنا نتبادل الشؤون والشجون وبعضا من الأسرار …
في العام ٢٠٠٥ كان مركز عملي في مفرزة صيدا القضائية ، واستلمت ملف شكوى تضمنت قيام رجل بالتقرب من رجل وامرأة مسنين في منطقة المساكن الشعبية في صور ، ثم احتال عليهما وسلبهما اموالهما بحجة انه يريد شراء الدواء لهما من احدى الصيدليات القريبة ثم لاذ بالفرار ولم يترك خلفه اي دليل يقود اليه …
تملكني الشعور الإنساني باتجاه هذين المسنين وقمت بتحريات مكثفة على مدى ايام طويلة الى ان امسكت بطرف الخيط …
قادتني المعلومات المتوفرة الى ضرورة الأستعانة بهارون …
اتصلت به ورويت له الحكاية فتعاطف مع القضية وطلب مني ان امهله يومين .. وبعد يومين اتصل في المرحوم هارون وقال : تفضل اشرب فنجان قهوة …قصدته في منزله المتواضع جدا جدا جدا في بلدة خربة سلم استقبلني بالعناق ثم أعدت لنا القهوة واستأذننا لخمسة دقائق ثم عاد وهو يمسك بياقة قميص شخص ويقول له : ما بتخاف من الله ؟ ختيار وختيارة بتسرق منن حق الدوا ؟ يا ويلك من الله … ولك تعا لعندي وقلي محتاج وشوف شو بعمل قدامك …
للصراحة تفاجأنا مما جرى واعتقدنا ان هناك التباس حصل على الأخ هارون وان هناك خطأ وقع فيه …ولكن قال هارون : هذا هو ، اذا طلع معكن الو علاقة اسلخو جلدو واذا طلع بريئ وما الو علاقة رجعوه معزز مكرم …
توجهنا به الى مفرزة صيدا القضائية وبالمواجهة بينه وبين المسنين كان الأخ هارون مصيبا ونحن المخطؤن …
في احدى المرات وبعد غياب طويل كنت متوقفا امام محطة النخلة عند مفرق برج رحال ، واذا بسيارة رابيد تتوقف أمامي فجأة ويقول لي : تفضل …
اخذت اتأمل هذا الوجه ، فأنا اعرفه ولا اعرفه ، لقد خانتني الذاكرة كثيرا ، فإذا به يقول : ولك شو قصتك شو مش عارفني يا اخ خليل . انتبهت الى الصوت هذا صوت هارون … فترافقنا على الطريق ، واستفسرت منه عن عمله الحالي فقال ولسان حاله يعبر عن وجع كبير : والله يا خيي خليل عم ربي بقر … اي هارون ذلك القيادي الكبير من ابطال المقاومة وكوادر حركة أمل لم يتكبر على لقمة عيشه ، ولم يأكلها الا بعرق جبينه وبالحلال …
مرت الأيام واذا بي اتفاجأ في احد الأيام بأن ابني وابن هارون الشهيد باسل اصبحا من اعز الأصدقاء بدون اي تدبير مني او من هارون …
هارون ذلك الأخ الذي لم تلده امي …والحكايات كثيرة بعضها مضحك وبعضها حزين ، رحل هاورن ويبقى له مكان في القلب ويحتل جزءا من الذاكرة … وما بدلنا تبديلا …




