في روما بابا يحاكم بابا بعد موته ينبش قبره ويقطع اصبعه ويرميه في النهر .

الأحداث عام 897 ميلادية كانت روما في تلك الأيام مدينة لا تعرف الاستقرار، فالسلطة كانت تُستمد من الدين والسياسة معًا، والكنيسة كانت ساحة للصراع أكثر من كونها مكانًا للسلام. في أحد أزقتها الضيقة، كان الناس يتحدثون بصوت منخفض عن البابا الجديد وعن ماضي البابا الذي سبقه، فورموسوس، الذي كان له أعداء كثيرون بسبب تحالفاته السياسية.
وفي أحد الأيام، بينما كانت الشمس تتسلل عبر نوافذ الكنيسة القديمة، دخل رجل يرتدي عباءة سوداء، كان هذا الرجل هو ستيفان السادس، البابا الجديد. وقف أمام مجموعة من رجال الدين وقال بصوت هادئ لكنه قاسي
“لن أسمح بأن يظل اسم فورموسوس على هذا الكرسي، لقد كان خائنًا، ولا يستحق أن يكون بابا”
أحد الكهنة، وقد بدا عليه الخوف، أجابه:
“يا سيد البابا، لقد مات منذ أشهر، لماذا كل هذا العناء؟”
ابتسم ستيفان ابتسامة باردة وقال:
“لأنه لا يمكن أن يبقى الظلم بلا حساب، حتى لو كان الجاني ميتًا”
بعد أيام، اجتمعت الكنيسة كلها، ولم يكن هناك صوت سوى همس الناس وصرير الأبواب القديمة. وفجأة، خرج الجنود يحملون تابوتًا، وبدأت الجماهير تتسمر في مكانها، فقد كان التابوت يحمل جثة البابا فورموسوس.
وقف ستيفان أمام التابوت وقال بصوت مرتفع:
“أيها الناس، إن هذا الرجل لم يكن بابا، لقد خالف القوانين، لقد خان الكنيسة”
ثم أشار إلى أحد رجال الدين وقال:
“اقرأ الاتهامات”
قرأ الرجل الاتهامات بصوت يرتعش، لكن دون توقف، وكأن الحروف كانت ثقيلة على لسانه.
ثم قال ستيفان:
“هل لديك ما تقوله دفاعًا عن نفسك؟”
كانت الجثة بلا حراك، بلا رد، وكأن الموت قد اختزل كل شيء في صمتٍ مطبق. لكن ستيفان لم يلتفت إلى ذلك، وواصل:
“إذن يكون الحكم أن جميع قراراته باطلة، وأنه لم يكن بابا أبدًا”
ثم أشار إلى الجنود:
“خذوه إلى خارج الكنيسة، وأعدوا له ما يستحق”
حمل الجنود الجثة، لكنهم لم يدفنوها كما يُدفن أي إنسان، بل ربطوها وخلعوا عنها ملابس البابوية،وقطعوا الأصابع التي كان يُبارك بها المؤمنين ثم ألقوها في نهر تيبر، كأنهم يريدون أن يمحوها من الوجود تمامًا.
في تلك اللحظة، همس أحد الحاضرين لرجل بجانبه:
“هل هذا ما تسمونه عدلًا؟”
رد الرجل الآخر بصوت حزين:
“إنها ليست عدلًا، إنها رسالة. رسالة لمن يجرؤ على الوقوف في وجه السلطة”
لكن الغضب لم يهدأ في قلب الناس، فقد كانوا يرون في هذا الفعل إساءة ليست فقط لفورموسوس، بل للكرسي نفسه، وللتاريخ. بدأ الناس يتحدثون بصوت أعلى، ثم صاروا يصرخون، حتى وصل الخبر إلى أذن الحاكمين.
وبعد فترة قصيرة، اجتمع رجال الكنيسة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان موقفهم مختلفًا، فقد كان الغضب الشعبي قد وصل إلى حد لا يمكن تجاهله.
دخل رجل كبير في السن إلى القاعة وقال:
“لقد أخطأنا، لقد تجاوزنا الحدود، لا يمكن أن نحكم على رجل بعد موته بهذه الطريقة”
ثم أعلنوا أن الحكم على فورموسوس ملغي، وأنه يجب إعادة احترامه كبابا. أما ستيفان السادس، فقد فقد سلطته سريعًا، وانهارت مكانته أمام غضب الشعب، حتى انتهى به الأمر إلى السقوط.
وفي النهاية، عادت الجثة إلى مكانها الطبيعي، ودفنت كما يُدفن كل إنسان، لكن القصة بقيت في ذاكرة روما كدرس قاسٍ، أن الصراع على السلطة قد يدفع البشر إلى أبعد مما يمكن أن يتحمله عقل، وأن التاريخ لا ينسى من يظلمون حتى بعد الموت.




