د.هنادي عباس : بين الهدم والنهاية، الجنوب يكتب الحكاية هل أخطأ الدكتور/ هادي دلول أم كشف، من حيث يقصد أو لا يقصد، خطراً سياسياً حقيقياً؟

سأبدأ من حيث انتهى الجميع بصفة تحليلية وليست تبريرية فحينما قال د.هادي دلول إن «الجنوب هُدم وانتهى»، كان يصف حجم الخراب، لكنه أخطأ في أخطر كلمة: «انتهى».
فالجنوب قد يُدمَّر، لكن لا يُحكم عليه بالنهاية. الفرق سياسي لا لغوي: «هُدم» تعني جريمة قابلة للمواجهة وإعماراً ممكناً؛ أما «انتهى» فتمنح الانسحاب والغياب معنى الأمر الواقع.
لذلك، سبق لسان دلول منطقه السياسي. لم يخطئ في تشخيص الخراب، بل في تحويله إلى خاتمة.
ما الذي يجري فعلياً؟
الوقائع أخطر من العبارة. مئات آلاف الجنوبيين ما زالوا نازحين، والضربات الإسرائيلية مستمرة، فيما تتحول القرى المدمرة والتلال المحتلة إلى أوراق تفاوض على دماء الشهداء الأطفال والأبرياء .
وتلة علي الطاهر مثال واضح: موقع عسكري تحوّل إلى ورقة سياسية، بالتزامن مع مفاوضات روما التي تتحرك ببطء، بينما تتقدم الوقائع الإسرائيلية على الأرض بسرعة.
وهنا جوهر المسألة: الخطر ليس في هدم البيوت وحده، بل في إفراغ الأرض من أهلها حتى يصبح غيابهم طبيعياً، وتتحول السيطرة المؤقتة إلى واقع دائم.
التفاوض تحت النار
السؤال ليس: هل انتهى الجنوب؟
السؤال هو: ماذا يربح لبنان من تفاوض لا يوقف القصف، ولا يضمن العودة، ولا يفرض الانسحاب، فيما تربح إسرائيل أرضاً ووقتاً وشروطاً جديدة؟
إذا استمرت المفاوضات من دون كلفة على المعتدي، فقد تتحول من أداة للحل إلى وسيلة لإدارة الوقت الذي تحتاجه إسرائيل لتثبيت احتلالها.
الجنوب لا يبقى بالشعارات
القول إن الجنوب باقٍ لا يكفي. بقاء الجنوب يُقاس بعودة أهله، وفتح مدارسه وطرقه ومؤسساته، ومنع تحويل أرضه إلى منطقة عازلة أو ورقة مقايضة.
فالجنوب لا ينتهي بالقصف وحده؛ ينتهي حين يُمنع أهله من العودة، وحين تتعامل الدولة مع غيابهم كأنه قدر مؤقت لا يستدعي قراراً.
لذلك أخطأ دلول في المصطلح، لكن تصحيح المصطلح لا يكون بإنكار الواقع. الجنوب لم ينتهِ، إلا أن هناك من يعمل على تغيير شروط بقائه.
الجنوب يبقى حين يبقى أهله فيه.
وحين تبقى الأرض ويغيب أصحابها، لا يكون السؤال: هل ضاع الجنوب؟ بل: كم خسرنا منه قبل أن نعترف بأنه يضيع؟
هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية



