
لم تكن قضية المرأة في فكر الإمام السيد موسى الصدر قضية هامشية أو تابعة، بل كانت جزءاً أصيلاً من مشروعه النهضوي الشامل. فقد أدرك مبكراً أن أي نهضة للأمة لا يمكن أن تتحقق ونصف طاقاتها معطل، وأن أي بناء للمجتمع لا يستقيم ما لم تكن المرأة شريكة فيه. ومن هنا جاءت رؤيته للمرأة رؤية متكاملة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الحقوق والواجبات، في ظل الأزمات وقبلها.
أولاً: الأسس الفكرية لرؤيته
ينطلق الإمام الصدر في مقاربته لدور المرأة من منطلقين جوهريين: تكريم إنسانية المرأة التي أقرها الإسلام، وتحقيق العدالة التي تراعي خصوصية المرأة ودورها، لا المساواة الشكلية التي تصادر الفروق وتمحو الخصوصيات.
فهو يرى المرأة شريكة متكاملة للرجل في حمل أعباء البناء والتغيير، لا تابعة له ولا مهمشة. ويصبو إلى امرأة واعية، متعلمة، منتجة، قادرة على إدارة بيتها والمشاركة في مجتمعها. وفي الوقت ذاته، يؤكد على الحجاب كـ هوية والتزام وحرية، لا كعائق أمام العلم والعمل والإبداع.
ثانياً: ميادين التفعيل العملي
لم يكتفِ الإمام الصدر بالتنظير، بل ترجم فكره إلى مؤسسات وعمل ميداني. وقد تمثل تفعيله لدور المرأة في ثلاثة ميادين رئيسية:
1. ميدان التربية والتعليم
آمن بأن “الأم هي المدرسة الأولى”، فكانت العناية بتعليم الفتيات وتثقيف الأمهات في صدارة اهتماماته. فأنشأ “مدرسة جبل عامل المهنية للبنات” و”دار الفتاة”، إيماناً منه بأن تعليم المرأة هو استثمار في مستقبل الأجيال كلها.
2. ميدان العمل الاجتماعي والإغاثي
في زمن الحرمان والأزمات، كان للمرأة دور الصدارة. دفع بها الإمام الصدر إلى العمل في “حركة المحرومين” و”مؤسسات الرعاية الاجتماعية”، فتصدرت صفوف العمل الإغاثي والصحي ومحو الأمية ورعاية الأيتام. فكانت يداً بانية وقلباً حاضناً.
3. ميدان الحياة العامة والوطنية
خاطب المرأة كمواطنة كاملة الأهلية، لها حقوق وعليها واجبات. فكان حضورها فاعلاً في المسيرات والاعتصامات والنشاطات المطلبية، شريكة في الدفاع عن قضايا الحق والعدالة وحمل هموم الوطن.
وخلاصة القول، إن مشروع الإمام السيد موسى الصدر للمرأة هو مشروع “تمكين مسؤول”.
مشروع لا يريد للمرأة أن تكون نسخة مكررة عن الرجل، ولا يريد لها أن تنزوي في زاوية البيت.
إنما يريدها صانعة للأجيال في بيتها، وبانية للمجتمع في ساحته.
يريدها حرة في فكرها، أصيلة في قيمها، فاعلة في دورها.
ولذلك بقي فكره منارة تضيء درب العمل النسائي حتى اليوم، ودليلاً على أن عزة الأوطان تبدأ من عزة المرأة وتمكينها.
بقلم الاستاذة والباحثة منى حسين




