
بعد كل موجة تصعيد إسرائيلية وما يرافقها من سقوط شهداء وجرحى، هناك من يطالب «حزب الله» بالردّ عليها فوراً، بغية لجم هذه العدوانية. بينما يدعوه البعض الآخر إلى استمرار التقيّد بقرار وقف إطلاق النار تفادياً للأسوأ. فما هي المعايير التي تحكم خيار الحزب في هذه المرحلة؟
الأكيد أنّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة تضع «حزب الله» أمام تحدّي إيجاد الطريقة المناسبة للتعامل معها، خصوصاً عندما تتخذ منحى تصاعدياً ودموياً، كما حصل خلال الفترة الأخيرة.
وما يضاعف شعور الحزب بالحاجة إلى معالجة هذا الواقع، هو انّه سبق له أن أعلن جهاراً عن رفضه العودة إلى ما قبل 2 آذار الماضي، حين ظلّ جيش الاحتلال الإسرائيلي يخرق اتفاق 2024 لوقف الأعمال العدائية، على امتداد 15 شهراً، من دون أن يلقى أي ردّ في المقابل.
ولا يزال الحزب حتى الآن، يؤكّد عدم تسليمه بالأمر الواقع الذي يحاول الإسرائيلي فرضه ميدانياً، عبر تمسكه بحرّية الحركة في الجنوب من طرف واحد، واعتباره أي تصدّ من جانب المقاومة خرقاً لوقف إطلاق النار، يتطلّب ضربات مضادة عنيفة.
لكن الحزب الرافض التسليم بهذه المعادلة الإسرائيلية يتفادى في الوقت نفسه التسرّع او الانفعال في خطواته، ويتحيّن الفرصة المناسبة لتصويب الخلل الراهن بأقل كلفة ممكنة وضمن سياق يكون فعّالاً، وأبعد من حدود فشة الخلق.
ويدرك الحزب أنّ الردع بطبعته السابقة قد انتهت مفاعيله، وانّ ترميمه مجدداً ليس سهلاً، بعد التحولات العسكرية التي جرت منذ حرب 2024، وبالتالي هو يعرف جيداً أنّ قواعد الاشتباك التي كانت معتمدة في الفترة الممتدة بين 2006 و 2023 قد تغيّرت، وانّ هناك حاجة إلى أنماط جديدة ومقاربات مختلفة لمواجهة الجموح الإسرائيلي العدواني.
ويأخذ الحزب في الحسبان، أنّ بنيامين نتنياهو الذي يتصرف على أساس انّ الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول المقبل هي مصيرية له، مستعد للإيغال في الدماء من أجل ضمان عودته إلى السلطة، وإنقاذ نفسه من النهاية السياسية التي تحوم حوله. ويوجد تقدير لدى أوساط لبنانية مواكِبة التطورات، أنّ من المحتمل أن يذهب رئيس حكومة الاحتلال خلال المدة الفاصلة عن تشرين الأول، إلى تصعيد واسع، ربما يتخذ شكل أيام قتالية او شكلاً آخر، بهدف إما تأجيل الانتخابات وإما تعزيز أوراقه فيها لاستمالة الناخبين، وهذا ما يفسّر انّه «متحفّز» عسكرياً، ليس حيال لبنان وحسب بل حيال إيران أيضاً.
ويلفت هؤلاء، إلى أنّ نتنياهو يفرّط في العنف ويبالغ في حجم الاعتداءات رداً على إطلاق مسيّرات مفترضة وغامضة، سعياً إلى عدم السماح للحزب باستعادة القدرة على الردع.
وعلى رغم من عدم إعلان الحزب رسمياً عن تنفيذ عمليات في الآونة الأخيرة، فإنّ العارفين يشيرون إلى انّ مقاتليه كانوا يواجهون، وفق تكتيكات معينة ومدروسة، أي محاولة تقدّم إسرائيلية من الخط الذي كانت توجد فيه قوات الاحتلال عند بدء سريان قرار وقف النار نحو أماكن جديدة.
أما تنفيذ عمليات داخل المنطقة المحتلة، او الردّ على الاعتداءات بقصف مواقع للعدو في الاراضي اللبنانية او حتى في المستوطنات الشمالية، فهو أمر يخضع لحسابات دقيقة، ويرتبط بمجمل النزاع ووجهته المستقبلية، خصوصاً انّ الحزب كان ولا يزال يعوّل على المسار الإيراني وتحالفه الاستراتيجي مع طهران، لتغيير المعادلة في اتجاه فرض الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، من دون دفع ثمن سياسي باهظ.
وبناءً عليه، يفترض الحزب انّ نمط العمليات السابقة في حقبة ما قبل عام 2000 لم يعد يصلح لبناء معادلة جديدة، وانّ أي مواجهة واسعة أخرى، إذا وقعت، هي التي ستنبثق منها قواعد اشتباك مختلفة. وإضافة إلى ذلك، يعتبر الحزب انّ على السلطة السياسية أن تتحمّل بدورها مسؤوليتها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية التي تسدّد، في رأيه، ضربات متلاحقة إلى «صيغة الإطار» وخيار التفاوض المباشر، ما يستدعي من وجهة نظره مراجعة رسمية لكل هذا المسار.
الجمهورية



