📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

الصواريخ وحدها لا تصنع جيشا : لماذا تغيرت قواعد الحرب ؟ د.احمد يونس

في الماضي، كان التفوق الإنساني يقاس غالباً بقدرات فردية واضحة مثل سرعة الحساب، قوة الذاكرة، سرعة البديهة، الثقافة الواسعة، أو القدرة على استحضار المعلومات والأفكار في اللحظة المناسبة، وكان الشخص الذي يستطيع إجراء عمليات حسابية معقدة ذهنياً، أو الذي يمتلك معرفة واسعة في التاريخ والسياسة والفلسفة، يثير الإعجاب ويُنظر إليه بوصفه صاحب قدرة استثنائية. لكن دخول التكنولوجيا المتقدمة، ثم الذكاء الاصطناعي، غيّر هذا المقياس جذرياً. فالآلة تستطيع اليوم تنفيذ ملايين العمليات خلال وقت قصير، وتحليل كمّ هائل من البيانات، والوصول إلى معلومات كان الإنسان يحتاج سابقاً إلى سنوات طويلة من الدراسة والبحث لجمعها، وهذا لا يعني أن الإنسان فقد قيمته أو أن الثقافة والمعرفة لم تعودا مهمتين، بل يعني أن بعض القدرات التي كانت تمنح صاحبها تفوقاً واضحاً لم تعد كافية وحدها في مواجهة منظومات تكنولوجية تتجاوز القدرات البشرية في السرعة والحجم والدقة.

هذه المقارنة تنطبق بصورة أكثر وضوحاً على الحروب الحديثة. فالشجاعة والبسالة والانضباط العسكري والتدريب تبقى عناصر أساسية في أي مواجهة، لكنها لم تعد قادرة وحدها على تعويض فجوة تكنولوجية كبيرة. المقاتل الشجاع لا يستطيع إسقاط طائرة لا تصل إليها أسلحته، ولا يستطيع حماية موقعه من صاروخ دقيق إذا لم تكن خلفه منظومة دفاع جوي فعالة، كما لا يستطيع منع خصمه من كشف تحركاته إذا كان الطرف الآخر يمتلك تفوقاً في الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية والاستخبارات. ولهذا أصبح من الخطأ اختزال القوة العسكرية بعدد الصواريخ أو بعدد المقاتلين. الصاروخ عنصر مهم، لكنه ليس جيشاً كاملاً، تماماً كما أن الشجاعة ليست بديلاً عن الدفاع الجوي، ولا عن الطيران الحربي، ولا عن القيادة والسيطرة، ولا عن الاستخبارات، ولا عن التكنولوجيا.

القوة العسكرية الحديثة تقوم على التكامل بين الإنسان والآلة: من يرى أولاً، ومن يكتشف أسرع، ومن يحلل البيانات بدقة أكبر، ومن يمتلك القدرة على حماية قواته وضرب خصمه وإدارة المعركة في الوقت نفسه. لذلك لم تعد الحروب الحديثة اختباراً للشجاعة وحدها، بل اختباراً لقدرة الدولة أو الجيش على تحويل التكنولوجيا والمعرفة والاستخبارات والتسليح إلى منظومة متكاملة. فالبسالة تصنع الفارق داخل المعركة، لكن التكنولوجيا أصبحت هي التي تحدد، إلى حد كبير، شكل المعركة وحدودها وفرص الانتصار فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى