📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

أخبار لبنان

نساء يُبقين لبنان حيّاً \ د. عمر نشابة

من مركز «عامل» المتضرر جراء العدوان الإسرائيلي في حارة حريك، صورة لدور النساء في إبقاء المجتمع متماسكاً وسط الحرب والنزوح والأزمة الاقتصادية وتراجع الدولة: من الطب والتعليم إلى الرعاية والعمل الاجتماعي، نساء يحملن عبء استمرار الحياة.

دخلتُ يوم أمس إلى مركز مؤسسة عامل في حارة حريك، فكان المكان نفسه أبلغ من أي كلام. النوافذ التي حطّمها العدوان الإسرائيلي غُطّيت بالنايلون وأُزيل جزء من الركام وعاد المركز إلى العمل.

لا انتظار لإعادة إعمار شاملة ولا ترف التوقف إلى أن تتحسّن الظروف. عيادات طبية وصيدلية ومركز اجتماعي ومساحة تربوية لدعم الناس. عاد كل شيء إلى وظيفته الأساسية: خدمة الإنسان.

ربما تكون هذه الصورة إحدى أكثر صور المقاومة الإنسانية وضوحاً: أن يدمّر العدو الإسرائيلي المكان فيعود الناس ويعيدون بناءه وتشغيله وإحياءه، أن يتحطم البنى وتتحطم النوافذ ولا تتحطم الإرادة، وأن يبقى الطبيب يعالج والصيدلي يوزّع الدواء والمربّي يرشد طفلاً والعامل الاجتماعي يستقبل يتيماً بينما آثار القصف لا تزال على الجدران.

في هذا المركز عقدت مؤسسة عامل اجتماعاً ترأّسه مؤسّسها طبيب الأطفال الدكتور كامل مهنا الذي دمّر العدو منزله في الخيام والمستوصف المحاذي له. حضرت الاجتماع مسؤولات ومسؤولو مراكز عامل المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية. لكنّ مشهداً محدداً استوقفني: الغالبية الساحقة، أكثر من 80% من المسؤولين الذين كانوا في القاعة سيدات.

سيدات من اختصاصات مختلفة ومن مناطق وبيئات مختلفة. مُحجّبات وغير مُحجّبات، مسلمات ومسيحيات، أتين من قرى وبلدات ومدن متعددة ولا يجمعهن انتماء مذهبي أو مناطقي أو سياسي واحد. ما يجمعهن أمر أكثر أهمية: ضمير ومسؤولية وإيمان بأن الإنسان يستحق المساندة والدعم لأنه إنسان. وهذه أجمل صورة يمكن أن يقدّمها لبنان عن نفسه.

لبنان الجميل هو ذاك الذي رأيته في تلك القاعة: اختلاف لا يلغي أحداً وتنوّع لا يحتاج إلى خطابات للاحتفاء به لأنه يُمارَس بصورة طبيعية كل يوم. لكنّ اللافت أكثر أن من يحملن الجزء الأكبر من هذه المسؤولية هنّ النساء.

من الظلم أن نتحدّث عن صمود المجتمع اللبناني من دون أن نعترف بأن النساء كنّ ولا يزلن من أعمدته الأساسية. وفي الحروب والأزمات يصبح هذا الدور أكثر وضوحاً. حين يُقتل الناس وتُهدم البيوت وتُقصف القرى وتفقد العائلات مصادر رزقها ويمتلئ البلد بالنازحين والجرحى وذوي الإعاقات والمحتاجين، يصبح الصمود عملاً يومياً شاقاً: تأمين الدواء ومتابعة أوضاع الأطفال والمسنّين والوقوف الى جانب المتألمين والمنكوبين والعناية بالمرضى وتنظيم المساعدات وحماية ما تبقّى من انتظام الحياة. وفي كل ذلك نجد النساء في الصفوف الأمامية.

العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان لم يقتصر أثره على الذين استشهدوا أو جُرحوا حيث إن هناك أيضاً مئات آلاف الأشخاص الذين عاشوا أو يعيشون تجربة النزوح والخوف وفقدان البيت أو العمل أو المدرسة أو الحي. هناك عائلات فقدت مصادر دخلها وأشخاص أصيبوا بإعاقات سترافقهم مدى الحياة وقرى وبلدات أصابها خراب واسع. في الجنوب والبقاع والضاحية والعاصمة لم يُستهدف الحجر وحده بل استُهدفت حياة كاملة بناها الناس على مدى سنوات طويلة.

في مواجهة ذلك ثمّة نساء يذهبن كل صباح إلى مراكزهن ليعالجن الناس ويعلّمن أطفالهم ويستمعن إلى مشكلاتهم ويبحثن عن حلول لها. وليست في الأمر رومانسية فهؤلاء النساء مُتعبات أيضاً ولديهن عائلات ومخاوف وحاجات والتزامات. بعضهن يعشن في المناطق التي تعرّضت للقصف وبعضهن اختبرن النزوح أو فقدان الأمان وبعضهن يعانين كما يعاني معظم اللبنانيين من الأزمة الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار لكنهن يأتين إلى العمل.

يكاد يكون تراكم الأزمات في لبنان غير مسبوق: عدوان إسرائيلي واسع ومتواصل واقتصاد مُنهك وبطالة متزايدة وأسعار مرتفعة وفقر يصيب شرائح واسعة من المجتمع وخدمات عامة شبه غائبة وفساد مستمر في المؤسسات من القطاعين العام والخاص وتراجع هائل في قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

في مثل هذه الظروف يمكن للمجتمع أن يتفكّك وينهار بسهولة. لكن المجتمعات لا تبقى قائمة بفضل القرارات التي تتخذها الحكومات بل بفضل شبكة غير مرئية من البشر الذين يواصلون الوقوف مع بعضهم عندما تعجز أو تمتنع مؤسسات الدولة عن أداء دورها. وفي لبنان جزء أساسي من هذه الشبكة تصنعه النساء: الأم التي تحافظ على تماسك عائلتها بعد النزوح والطبيبة التي تستقبل المرضى وكأنهم أولادها والممرضة التي تعمل ساعات إضافية والمعلمة التي تحاول أن تحمي طفلاً من آثار الحرب النفسية والعاملة الاجتماعية التي تُدخِل الأمل إلى بيوت الفقراء والمنكوبين والمحامية التي تدافع عن المظلوم وكأنه يعنيها شخصياً والصحافية التي توثّق الحقيقة مهما بلغت المخاطر والمهندسة التي تعاين الأبنية المتضررة والدمع يلمع في عينيها والمسؤولة الإدارية التي تحاول إبقاء مؤسسة تعمل رغم انهيار كل شيء من حولها. هذه ليست أدواراً هامشية بل هذه هي البنية التحتية الإنسانية للمجتمع.

لطالما قُدّمت المرأة في مجتمعاتنا في خطاب تقليدي بوصفها من تعتني بالأسرة وكأنّ الرعاية وظيفة ثانوية مُقارنة بالسياسة والاقتصاد وإدارة المؤسسات. الرعاية ليست عملاً ثانوياً فعندما تتفكّك الدول وتندلع الحروب وتتراجع المؤسسات تصبح القدرة على العناية بالإنسان واحداً من أهم أشكال القيادة. وما رأيته في مؤسسة عامل لم يكن نساء يساعدن الرجال على إدارة المؤسسة بل رأيت نساء يدِرن ويقررن وينظّمن ويقُدن.

النساء في لبنان لسن نصف المجتمع بل إنهن من يحمل المجتمع كله عندما يكاد يقع. من البيت إلى المدرسة ومن المستشفى إلى المؤسسة الاجتماعية ومن الجامعة إلى المحكمة ومن الصحافة إلى البلديات والمنظمات الإنسانية، نجد نساء يسعين كل يوم لمنع هذا البلد من الانهيار الكامل. وقد تختلف آراؤهن وبيئاتهن وأديانهن وطريقة لباسهن وانتماءاتهن. وهذه ليست مشكلة بل هي مصدر القوة لأن لبنان الذي يستحقّ أن يبقى ليس لبنان التشابه بل لبنان الاختلاف الذي يتحوّل إلى تعاون. ولأن الوطن الحقيقي ليس ذاك الذي نرفع له الأعلام بل ذاك الذي نعتني بالناس الذين يعيشون فيه.

الأخبار

د. كامل مهنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى