
في منطقة تتسع فيها رقعة الصراعات، وتتزايد فيها الضغوط على الدول العربية، تبقى مصر إحدى أهم ركائز الاستقرار والتوازن في العالم العربي. فمصر ليست مجرد دولة كبرى بثقلها السكاني والعسكري والتاريخي، بل هي رئة عربية لا يزال كثيرون يتنفسون منها الأمل بإمكانية الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن والأمان، في زمن تتراجع فيه فرص الاستقرار وتتقدم فيه لغة السلاح على لغة الحوار.
ومن هنا، فإن الحفاظ على استقرار مصر ليس شأناً داخلياً مصرياً فحسب، بل مصلحة عربية مشتركة. فالدولة التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وإقليمية متشابكة لا ينبغي أن تُستنزف في حروب جانبية أو أن تُدفع إلى أزمات متلاحقة مع محيطها، سواء في ملف أثيوبيا وسد النهضة أو في غيره من الملفات الإقليمية. فكلما أُبعدت مصر عن الاستنزاف، ازدادت قدرتها على أداء دورها العربي في الوساطة والتهدئة وحماية التوازنات.
تأتي الخطوة المصرية المتعلقة بإمكانية تقديم دعم عسكري للسعودية في مرحلة شديدة الحساسية. فقد أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن أي تدخل عسكري مصري محتمل سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها، ولن يشمل شن هجمات على اليمن. وقد أُرجئ تصويت مجلس النواب المصري على تفويض إرسال القوات إلى السادس والعشرين من تشرين الأول الجاري، ما يعني أن المسار السياسي والإجرائي لم يكن قد اكتمل حتى تاريخ إعداد هذا المقال.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يميز بين التضامن مع دولة عربية لحماية أمنها، وبين الانخراط في حرب مفتوحة على دولة عربية أخرى. فالعلاقة بين السعودية والحوثيين لا يمكن اختزالها في رواية اعتداء من طرف واحد؛ إنها مواجهة طويلة تتداخل فيها الأفعال وردود الأفعال، وتتراكم فيها الحسابات العسكرية والسياسية، فيما يدفع المدنيون في اليمن والسعودية أثماناً باهظة.
إن كل تصعيد يولّد تصعيداً مقابلاً، وكل ضربة تفتح الباب أمام ضربة أخرى، لتتحول الحرب إلى دائرة يصعب الخروج منها. ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن طرف عربي جديد يدخل المعركة، بل إيجاد طرف قادر على المساعدة في وقفها.
ومن هنا تبرز أهمية الدور المصري. فإذا كان الدعم المصري للسعودية سيقتصر على حماية أراضيها ومنشآتها وحدودها، فقد يشكل ذلك عامل ردع يمنع اتساع المواجهة، شرط ألا يتحول إلى مشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن. أما القيمة السياسية الأكبر لهذا الدور، فتكمن في قدرة القاهرة على الجمع بين حماية الأمن السعودي والدفع نحو تسوية توقف الحرب وتحفظ كرامة الشعب اليمني وحقه في الاستقرار.
فمصر ليست مطالبة بالاختيار بين السعودية واليمن، بل تستطيع أن تقف إلى جانب أمن السعودية، وفي الوقت نفسه تعمل على إخراج اليمن من دوامة الصراع. وهذا هو المعنى الحقيقي للتضامن العربي حين تحكمه الحكمة والمسؤولية.
إن الموقف الذي أعلنه الرئيس السيسي، والقائم على حصر الدور العسكري المحتمل في الدفاع وعدم مهاجمة اليمن، يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للأزمة. فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بما تستطيع تحقيقه في الميدان، بل أيضاً بما تستطيع منعه من حروب وكوارث.
ومن هنا، فإن الإشادة بحكمة القيادة السياسية المصرية تنطلق من أهمية عدم تكرار تجارب التدخلات العسكرية التي استنزفت دولاً وشعوباً، ومن ضرورة أن يبقى القرار المصري محكوماً بالمصلحة الوطنية والمصلحة العربية معاً.
ولا يقل دور المؤسسة الدينية المصرية أهمية عن الدور السياسي. فالأزهر الشريف، بما يمتلكه من مكانة دينية واسعة في العالم الإسلامي، يستطيع أن يسهم في ترسيخ ثقافة الحوار ورفض سفك الدماء والدعوة إلى تسوية النزاعات. وقد دعا الأزهر إلى تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية للمساعدة في احتواء الصراعات وفتح قنوات للحوار.
إن اجتماع الحكمة السياسية مع الدعوة الدينية إلى التهدئة يمكن أن يشكل أساساً لموقف مصري متوازن: دعم أمن الأشقاء، ورفض استهداف الشعوب، وعدم السماح بأن تتحول الخلافات الإقليمية إلى حروب مفتوحة لا يعرف أحد أين تنتهي.
وإذا كان التاريخ قد علّم المنطقة أن التدخل في الحروب الداخلية للدول قد يجرّ سنوات من الاستنزاف، فإن مصر، بخبرتها وثقلها، تستطيع أن تجعل من موقفها الحالي فرصة لتقديم نموذج مختلف، يقوم على الردع الدفاعي بالتوازي مع الوساطة السياسية.
في موازاة هذه التطورات، تبرز تساؤلات بشأن الموقف الأميركي وحدود الدعم الذي يمكن أن تقدمه إدارة الرئيس دونالد ترامب للسعودية في مواجهة الأخطار الإقليمية. فالعلاقات بين واشنطن والرياض، على أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية، وحسب رؤية ترامب التي عودنا عليها لا تعني أن الولايات المتحدة ستخوض كل مواجهة نيابة عن حلفائها بدون مقابل مادي او سياسي ، إذ تبقى قراراتها محكومة بحساباتها ومصالحها الخاصة.
وهنا أميل إلى الاعتقاد بأن ترامب اراد ترك السعودية تواجه قدراً من الضغوط والقلق الأمني، بدلاً من تقديم دعم أميركي حاسم ينهي مخاوفها، بما قد يدفع الرياض تدريجياً إلى الاستنجاد بإسرائيل أو طلب مساعدتها الأمنية والعسكرية. وقد يكون من شأن هذا المسار، إذا تحقق، فتح الباب أمام دور إسرائيلي أكبر في أمن المنطقة، وتغيير طبيعة العلاقات والتحالفات القائمة فيها.
وبالمقابل العرب ليسوا مضطرين إلى الاختيار بين الحماية الأميركية والحماية الإسرائيلية. وما يحتاجون إليه هو بناء تعاون عربي فعلي يحمي أمنهم، ويقلل اعتمادهم على القوى الخارجية، ويمنع تحويل أزماتهم إلى فرص لتعزيز نفوذ أطراف أخرى. والوجود العسكري المصري في السعودية يقطع الطريق على التدخل الإسرائلي ويصب في خانة حلف مكة الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان والذي عبرت القيادة الإيرانية عن ارتياحها لهذا الحلف داعية الى توسيعه ليشمل دولا عربية واسلامية اخرى .
إن دخول مصر على خط الأزمة السعودية اليمنية يجب ألا يُفهم باعتباره بداية حرب مصرية على اليمن، بل ينبغي أن يبقى، وفق الموقف المصري المعلن، في إطار الدفاع عن الأراضي السعودية. أما إذا تحولت المهمة إلى حرب هجومية مفتوحة، فإن المخاطر ستتجاوز حدود البلدين لتطال المنطقة كلها.
فمصر التي تواجه تحدياتها الخاصة ليست بحاجة إلى استنزاف جيشها ومواردها في حرب طويلة، والسعودية ليست بحاجة إلى اتساع رقعة المواجهة، واليمن لا يحتمل مزيداً من الدمار. ومن هنا، فإن المصلحة المشتركة تقتضي أن يكون أي دعم عسكري محدوداً وواضح الأهداف، ومصحوباً بتحرك سياسي جدي لوقف القتال.
كما أن على الدول العربية أن تدرك أن ترك الأزمات تتفاقم حتى تصبح الدول مضطرة إلى طلب المساعدة من قوى خارجية ليس مساراً مضمون النتائج. فالقوى الدولية تتحرك وفق مصالحها، وقد تتبدل مواقفها حين تتغير حساباتها، بينما تبقى الدول العربية هي التي تتحمل النتائج المباشرة للصراعات الواقعة على أرضها.
إن مصر، بثقلها السياسي والعسكري ومكانتها التاريخية، قادرة على أداء دور يتجاوز حدود الدفاع العسكري. فهي تستطيع أن تسهم في حماية السعودية، وأن تدفع نحو تهدئة المواجهة مع الحوثيين، وأن تعمل على منع دخول إسرائيل طرفاً مباشراً في ترتيبات أمنية جديدة تفرضها ظروف الحرب كما ذكرت .
لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وإلى تنسيق عربي يضع وقف النزاعات في مقدمة الأولويات. كما يحتاج إلى موقف ديني وأخلاقي يذكّر بأن الشعوب ليست وقوداً للحروب، وأن الخلافات السياسية مهما بلغت حدتها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإدامة المآسي الإنسانية.
إن الإشادة بمصر لا تعني اعتبارها قادرة وحدها على حل جميع أزمات المنطقة، بل تعني الاعتراف بأن استقرارها وقدرتها على التحرك الدبلوماسي يمثلان مصلحة عربية أساسية. فحين تنشغل مصر بأزماتها الداخلية أو تُستنزف في مواجهات جانبية، يخسر العرب ركناً مهماً من أركان التوازن الإقليمي.
مصر هي الرئة العربية التي ينبغي الحفاظ عليها، لا استنزافها في حروب لا تنتهي. ومن واجبها أن تحمي أمن أشقائها، لكن من واجب العرب أيضاً ألا يدفعوها إلى مغامرات عسكرية تستنزفها وتضعف قدرتها على أداء دورها التاريخي.
وفي زمن تتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية، تبقى الحكمة في منع الحرب قبل اتساعها، وفي وقف دائرة الأفعال وردود الأفعال، وفي بناء موقف عربي مستقل لا يجعل أمن المنطقة رهينة قرارات واشنطن أو حسابات تل أبيب.
فالمطلوب اليوم ليس انتصار طرف عربي على طرف عربي آخر، بل انتصار العقل على منطق الحرب، وانتصار الحوار على الاستنزاف، وانتصار المصالح العربية المشتركة على الحسابات الضيقة. وهذا هو الدور الذي نأمل أن تؤديه مصر، بقيادتها السياسية ومؤسساتها الدينية، لتبقى بالفعل رئة عربية يتنفس منها الأمل بمستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
موقع قلم حر




