
اتركوا ظل الحمار…
قصة عن زمنٍ أصبحت فيه الظلال أهم من الحقيقة
في صباح مشمس، خرج طبيب من مدينته متجهًا إلى قرية بعيدة لإنقاذ مريض يصارع الموت.
لم يكن يملك وسيلة سفر، فاستأجر حمارًا من رجل فقير يعيش على أجر حماره للمسافرين.
اتفقا على الأجرة، وانطلقا.
كان الطريق طويلًا، والشمس كأنها نار تهبط من السماء.
وحين اشتد الحر، نزل الطبيب من فوق الحمار، ووقف في ظل جسده الصغير ليستريح دقائق.
راقبه صاحب الحمار، ثم صاح غاضبًا:
ماذا تفعل؟
قال الطبيب متعجبًا:
أستظل… ألا ترى الشمس؟
قال الرجل:
لقد استأجرت الحمار، ولم تستأجر ظله!
ضحك الطبيب وظنها مزحة في البداية، لكن الرجل كان جادًا.
قال:
إن أردت الظل، فله أجر آخر.
رفض الطبيب.
ورفض صاحب الحمار أن يتحرك.
وهكذا… بدأت الحكاية.
في البداية كان الخلاف بين رجلين.
ثم اجتمع بعض المارة.
قال أحدهم:
الحق مع الطبيب.
وقال آخر:
بل الحق مع صاحب الحمار.
وبعد ساعة أصبح الطريق مزدحمًا.
وفي المساء، كانت المدينة كلها تتحدث عن “قضية ظل الحمار”.
كتب الصحفيون المقالات.
وأقام المحللون المناظرات.
وخرج الخبراء يشرحون فلسفة الظل.
وتحولت القضية إلى قضية رأي عام.
وقف المحامون في المحكمة.
أحدهم أثبت أن الظل جزء لا يتجزأ من الحمار.
والآخر أثبت أن الظل منفعة مستقلة يجب دفع ثمنها.
صفق الجمهور لهذا…
ثم بعد ذلك لذاك…
وخرج كل فريق مقتنعًا أنه انتصر.
دخل السياسيون على الخط.
وأصدرت الجمعيات بيانات.
وظهرت لجان للدفاع عن حقوق أصحاب الحمير.
ولجان أخرى للدفاع عن حقوق المستأجرين.
وانقسم الناس.
لم يعد أحد يسأل عن الطبيب…
ولا عن المريض الذي كان ينتظر العلاج.
ثم بدأت الشتائم.
ثم المقاطعة.
ثم الاعتداءات.
ثم أُحرقت المحال.
وتحطمت البيوت.
وسالت الدماء.
وفي غمرة الجنون…
مات المريض الذي خرج الطبيب لإنقاذه.
لكن أحدًا لم ينتبه.
فالجميع كانوا منشغلين…
بظل الحمار.
وبعد أيام…
لم يبق في المدينة سوى الخراب.
جلس الطبيب وصاحب الحمار وسط الأنقاض.
نظر كل منهما إلى الآخر في صمت طويل.
أما الحمار…
فكان يقف غير بعيد، ينهق بصوت مرتفع، كأنه يسأل العالم كله:
“هل أنا الحمار الوحيد في هذه القصة؟”
لكن الحقيقة…
أن الحمار لم يكن الوحيد.
فالحمير ليست دائمًا تلك التي تحمل الأثقال…
بل قد تكون العقول التي تسمح لقضية تافهة أن تسرق منها الوقت، والعقل، والبلاد.
كم من أمة انشغلت بظل الحمار ،
وتركت العدو يهدم مدننا وقرانا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا واحلامنا وهي تلهث خلف توقعات المنجمين والمحللين السياسيين الذي يحللون تحليل الباذنجانيون واذا ما كنا انتصرنا او انهزمنا ؟!!!
ليس لدينا ترف الوقت فما سقط بأيدي المحتلين قد سقط و علينا ان نتفرغ لحفظ ما تبقى لحفظ وجودنا و معتقداتنا ومستقبلنا قبل ان نتحول جميعا الى سكان مدارس او خيام من النايلون على مزابل الوطن …
نحن انهزمنا وعلينا ان لا نجمل الهزيمة ولا نخفف من وقعها علينا ان نكون واقعيين و نوقف استمرار الهزيمة بوحدتنا ، بمحبتنا لبعض ، بتقاسم رغيف الخبز ، والأهم من ذلك هو الإبتعاد عمن يجملون الهزيمة من المنافقين الذي يحللون بالسياسة ليرضوا غرورنا …
موقع قلم حر



