كان يمكن لبغداد، في شتاء سنة 1258، أن تبدو لمن يدخلها مدينةً لا تزال عظيمة كما كانت دائمًا. فهي عاصمة الخلافة العباسية، والمدينة التي حكم منها الخلفاء قرونًا طويلة، ومركز العلم والتجارة والثقافة في العالم الإسلامي.
لكن خلف هذا المظهر كانت بغداد قد تغيرت كثيرًا.
الخليفة المستعصم بالله كان يجلس على عرش ما زال يحمل هيبة الخلافة، لكن الدولة التي يمثلها لم تعد الدولة التي عرفها العباسيون في عصور قوتهم. الجيش ضعيف، والخلافات داخل المدينة كثيرة، والعلاقة بين السلطة ومكونات المجتمع متوترة، والمغول الذين اجتاحوا مساحات واسعة من المشرق كانوا يقتربون هذه المرة من قلب الخلافة نفسها.
وكان في بغداد أيضًا صراع مذهبي وسياسي قديم. ففي منطقة الكرخ، حيث كان للشيعة حضور كبير، وقعت خلال السنوات السابقة اعتداءات وصدامات وأعمال نهب، زادت من التوتر بينهم وبين السلطة العباسية. ومن الطبيعي أن يشعر بعض سكان الكرخ بالعداء للخلافة التي تعرضوا في ظلها للاضطهاد، لكن هذا شيء، والقول إن الشيعة في بغداد شكلوا جيشًا أو مؤامرة موحدة لإسقاط الخلافة شيء آخر تمامًا.
وفي تلك الأيام كان رجل شيعي يقف في قلب السلطة نفسها.
كان اسمه مؤيد الدين ابن العلقمي، وكان وزير الخليفة المستعصم.
وهنا تبدأ واحدة من أشهر القصص وأكثرها جدلًا في تاريخ سقوط بغداد.
عندما بدأ خطر هولاكو يقترب، اتجه ابن العلقمي إلى المهادنة والتفاوض مع المغول. ومنذ ذلك الوقت بدأت رواية ستعيش قرونًا طويلة: أن الوزير الشيعي خان الخليفة، وأضعف الجيش، وتآمر مع هولاكو حتى أسقط بغداد.
لكن المؤرخين لم يتفقوا على هذه الصورة.
بعض المصادر القديمة حملت ابن العلقمي مسؤولية كبيرة، واتهمته بأنه ساعد المغول أو شجعهم على غزو بغداد. بينما رأى مؤرخون آخرون أن هذه الرواية ضخمت دوره، وأن الرجل ربما كان يدرك أن الدولة العباسية عاجزة عن مواجهة القوة المغولية، فاختار التفاوض والمهادنة في محاولة لتقليل الخسائر.
واللافت أن هولاكو، بعد دخوله بغداد، لم يتعامل مع ابن العلقمي باعتباره الخائن الذي انتهت مهمته. بل أبقاه في منصبه فترة قصيرة. وهذا وحده يجعل القصة أكثر تعقيدًا من الحكاية الشعبية التي تقول إن الوزير خان الخليفة ثم انتهى كل شيء.
وفي الوقت نفسه، كان رجل آخر حاضرًا في المشهد، هو العالم المعروف نصير الدين الطوسي.
كان الطوسي شيعيًا، وكان قد أصبح قريبًا من هولاكو بعد سقوط دولة الإسماعيليين النزارية في إيران. ولذلك دخل اسمه أيضًا في الروايات التي حاولت تفسير سقوط بغداد على أنه مؤامرة شيعية.
لكن هنا أيضًا يجب التوقف قليلًا.
هولاكو لم يكن قائد جيش شيعيًا، والطوسي لم يكن قائد جيشه، ولم يكن هناك جيش شيعي دخل بغداد وأسقط الخلافة.
بل إن هولاكو كان قد حارب قبل بغداد دولة الإسماعيليين النزارية نفسها، وهي دولة شيعية، وأسقط معاقلها ودمر مركزها في ألموت. وهذا وحده يجعل تفسير حملة هولاكو على أنها مشروع شيعي لإسقاط الخلافة السنية تفسيرًا غير منطقي تاريخيًا.
كان هولاكو يتحرك ضمن مشروع الإمبراطورية المغولية للتوسع والسيطرة، وكانت بغداد واحدة من أهم أهدافه.
وفي أوائل سنة 1258 وصل المغول إلى بغداد.
بدأ الحصار، ووجد الخليفة المستعصم نفسه أمام قوة عسكرية هائلة لا تملك بغداد القدرة على مواجهتها. حاول الخليفة التفاوض، لكن المفاوضات لم تنقذ المدينة.
دخل المغول بغداد.
وهنا تحولت المدينة التي كانت لقرون مركزًا للعلم والحضارة إلى مدينة منكوبة. وقعت عمليات قتل ونهب ودمار واسعة، وسقطت الخلافة العباسية في بغداد بعد أكثر من خمسة قرون من الحكم.
أما المستعصم، فقد أُسر.
وتروي المصادر روايات مختلفة عن نهايته؛ أشهرها أنه قُتل بطريقة مرتبطة بالخيل، بينما تذكر روايات أخرى طرقًا مختلفة. ولذلك فالأكثر أمانًا تاريخيًا أن نقول إن هولاكو أمر بقتله بعد سقوط بغداد، أما تفاصيل طريقة قتله فليست محل اتفاق بين المصادر.
وهنا انتهت الخلافة العباسية بوصفها دولة حاكمة في بغداد.
لكن السؤال الذي بقي بعد ذلك هو: هل كان الشيعة هم الذين أسقطوا بغداد؟
الجواب التاريخي لا يسمح بهذه البساطة.
لم يكن هناك جيش شيعي استولى على بغداد، ولم يكن ابن العلقمي حاكمًا شيعيًا أطاح بالخليفة، ولم يكن نصير الدين الطوسي قائدًا عسكريًا شيعيًا فتح المدينة. القوة التي حاصرت بغداد واقتحمتها كانت القوة المغولية بقيادة هولاكو.
نعم، كانت هناك شخصيات شيعية داخل المشهد، وكان بعضها على اتصال بالمغول، وبعضها اختار التفاوض أو المهادنة، وربما رأى أن إنقاذ ما يمكن إنقاذه أفضل من مواجهة عسكرية خاسرة. لكن تحويل مواقف هؤلاء الأشخاص إلى موقف لطائفة كاملة يختزل التاريخ أكثر مما ينبغي.
والأهم أن بغداد نفسها لم تكن كتلة واحدة.
كان فيها شيعة وسنة، وكان فيها أنصار للخليفة ومعارضون له، وكانت فيها صراعات سياسية ومذهبية واجتماعية. وعندما جاء المغول لم يكن السؤال عند الجميع بالضرورة هو: كيف نحمي الخلافة؟ فبعض الناس كان يرى الخلافة سلطةً اضطهدته أصلًا، وبعضهم كان يخشى المغول أكثر، وبعضهم حاول النجاة بنفسه، وبعضهم قاتل دفاعًا عن المدينة.
وهذا هو الجانب الذي كثيرًا ما تضيع تفاصيله عندما تتحول قصة سقوط بغداد إلى قصة مذهبية بسيطة.
فالحكاية الحقيقية أكثر قسوة وتعقيدًا.
دولة عباسية ضعفت من الداخل، وجيش مغولي هائل جاء من الخارج، ومدينة تعاني الانقسامات، ووزير اختار التفاوض، وعالم شيعي أصبح قريبًا من هولاكو، وخليفة لم يستطع أن يحشد القوة الكافية لإنقاذ دولته.
ثم سقطت بغداد.
وبعد سنوات، أعاد المماليك في القاهرة إحياء منصب الخليفة العباسي بصورة رمزية سنة 1261، لكن بغداد لم تستعد موقعها السياسي القديم، ولم تعد الخلافة العباسية إلى ما كانت عليه قبل الكارثة.
ولعل أهم درس في هذه الحكاية أن التاريخ لا يتحرك دائمًا وفق المذهب وحده.
فابن العلقمي كان شيعيًا، لكنه كان أيضًا وزيرًا عباسيًا. والطوسي كان شيعيًا، لكنه كان عالمًا ومستشارًا في البلاط المغولي. وهولاكو كان قائدًا مغوليًا، وكان مشروعه مشروع توسع إمبراطوري لم يتوقف عند مذهب واحد؛ فقد حارب الإسماعيليين الشيعة قبل أن يصل إلى بغداد.
ولهذا فإن سقوط بغداد لا يمكن اختصاره بجملة «الشيعة أسقطوا الخلافة».
الأدق أن نقول إن بغداد سقطت عندما التقى ضعف الدولة العباسية وانقساماتها الداخلية مع القوة العسكرية المغولية الكاسحة، وفي ذلك المشهد تصرفت شخصيات مختلفة، سنية وشيعية وغيرها، وفق حساباتها ومصالحها ومخاوفها.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة التاريخية: أحيانًا لا تسقط الدول لأن خصومها أقوياء فقط، ولا لأنها خُذلت من الداخل فقط، وإنما لأن ضعف الداخل يلتقي في اللحظة نفسها مع قوة خارجية تعرف كيف تستفيد من ذلك الضعف.



