الولد عم يبكي كثير … اسكبولو رصاصة .حين تتحوّل الخرافة إلى طقسٍ يبحث فيه الإنسان عن الطمأنينة قلم حر | تقرير خاص

قلم حر | تقرير خاص
قلة من هذا الجيل يعرفون عادة سكب الرصاص , والرصاص هو غير الرصاص الذي يستعمل في اطلاق النار . فما هي هذه العادة ؟
عندما كانت الجدات يرون طفلا يبكي بكثرة يميل الظن لديهن الى ان الطفل مصاب بالعين وبالحسد , ولا شيئ يذهب صيبة العين اكثر اهمية من سكب الرصاص فما هو سكب الرصاص تقرير يلسط الضؤ على هذه العادات القديمة .
هناك عادات تعيش طويلًا في ذاكرة المجتمعات، لا لأن العلم أثبت صحتها، بل لأنها ترتبط بمخاوف إنسانية يصعب التخلص منها. تتناقلها الأجيال، وتحفظها الحكايات، وتستعيدها العائلات كلما أصاب أحد أفرادها مرض غامض . ومن بين هذه العادات، تبرز عادة سكب الرصاص، التي يلجأ إليها بعض الناس اعتقادًا منهم بأنها تساعد على فكّ صيبة العين والحسد.
إنه طقس يجمع بين النار والماء، وبين المعدن المنصهر والتأويل، ويطرح أسئلة تتجاوز الممارسة نفسها: من أين جاءت هذه العادة؟
ولماذا يتمسك بها البعض؟
وهل تستطيع فعلًا إزالة الحسد، أم أنها تمنح الإنسان شعورًا بالراحة والطمأنينة؟
من المعدن المنصهر إلى قراءة الأشكال تختلف تفاصيل سكب الرصاص من منطقة إلى أخرى، لكن صورته الشائعة تقوم على تسخين قطع من الرصاص حتى تنصهر، ثم سكب المعدن الساخن في وعاء يحتوي على الماء البارد. وما إن يلامس الماء حتى يتصلّب سريعًا، متخذًا أشكالًا غير منتظمة قد تبدو كالعين أو الوجه أو اليد أو كتل غريبة ومتفرعة.
هنا تبدأ مرحلة التأويل؛ إذ يفسّر بعض الممارسين هذه الأشكال باعتبارها علامات تكشف طبيعة الحسد المفترض، وقد يعيدون العملية أكثر من مرة، وفقًا للمعتقدات المتوارثة لديهم. وبحسب الاعتقاد الشعبي، يحمل الرصاص الأذى أو يمتصّه، ثم يظهر في الماء على هيئة أشكال يمكن قراءتها وتفسيرها. لكن ظهور شكل يشبه العين أو الوجه لا يعني أن المعدن كشف عن حسد أو قوة خفية؛ فالتشكّلات تنتج عن عملية التبريد والتصلّب، بينما يتولى العقل البشري ربطها بصور مألوفة ومنحها معاني مختلفة. ( وهنا يأتي دور الجدات لقراءة وفك طلاسم اشكال الرصاص المنصهر المسكوب بالماء , هذه عين جارتنا فلانة فهي عينها فارغة وتصيب بالعين وكثيرة الحسد , لا بل صيبة العين كانت في هذا المكان انظروا كيف كن متجمعات وفلانة دون غيرها هي من اصابت العين , والويل ثم الويل لمن تسلط عليه هذه التهمة , فسيصير حديث الجارات والحارات والكل ينأى بنفسه عنه , ومجرد مروره في الحي كفيل الى ان يسارع الأهل الى حجب اولادهم عن نظره حتى لا يصيبهم بالعين .
عادة قديمة… لكن هل نعرف أصلها الحقيقي؟
عرفت مجتمعات مختلفة ممارسات تقوم على صبّ المعادن المنصهرة في الماء ثم تفسير الأشكال الناتجة. وقد ارتبطت هذه الطقوس، في بعض البيئات،للإعتقاد بوجود العين والحسد. من هذه المجتمعات البلقان والأناضول و الجزائر . أما تحديد الأصل التاريخي الدقيق لعادة سكب الرصاص في لبنان، فيحتاج إلى مصادر محلية موثوقة، بدل الاكتفاء بالروايات المتناقلة أو الاستنتاجات المبنية على التشابه.
لماذا يلجأ الناس إلى سكب الرصاص؟
لفهم استمرار هذه العادة، لا يكفي وصفها بالخرافة، بل ينبغي التوقف عند الدوافع النفسية والاجتماعية التي تجعل بعض الناس يتمسكون بها. قد يبدأ الأمر بطفل كثير البكاء، أو شخص يعاني الأرق والقلق، أو إنسان تتوالى عليه المشكلات في العمل والعائلة. وحين يعجز عن إيجاد تفسير واضح لما يمر به، قد يصبح أكثر استعدادًا للاعتقاد بأن السبب عين أصابته أو حسد تعرّض له. في هذه اللحظة، يقدم الموروث الشعبي تفسيرًا جاهزًا وطقسًا محددًا يعتقد الشخص أنه قادر على تغيير حاله. وقد يشعر بالراحة بعد انتهاء الطقس، خصوصًا عندما يحيط به أشخاص يثق بهم ويؤكدون له أن الأذى قد زال. ويمكن تفسير هذا الشعور من خلال الإيحاء والتوقعات والطمأنينة النفسية. فالإنسان قد يشعر بتحسن حقيقي في مستوى القلق بعد ممارسة طقس يؤمن به، لكن ذلك لا يثبت أن الرصاص أزال حسدًا أو تأثيرًا خارقًا.
هل يزيل سكب الرصاص الحسد أو يعالج الخوف؟
من الناحية العلمية، لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن سكب الرصاص في الماء يزيل الحسد، أو يكشف هوية شخص يُعتقد أنه تسبب بالأذى، أو يطرد تأثيرًا خارقًا من جسم الإنسان. الملاحَظ مباشرة هو عملية فيزيائية: معدن يُسخّن حتى ينصهر، ثم يبرد ويتصلّب عند ملامسة الماء. أما ربط الشكل الناتج بمعانٍ غيبية، فهو تفسير مستمد من المعتقدات والتقاليد، وليس نتيجة علمية مثبتة. كذلك، لا يمكن اعتبار هذه الأشكال وسيلة لتشخيص مرض نفسي أو جسدي. فإذا كان الشخص يعاني خوفًا مستمرًا، أو أرقًا، أو نوبات هلع، أو أعراضًا جسدية متكررة، فإن تقييم حالته طبيًا أو نفسيًا عند الحاجة أكثر فائدة من افتراض أن السبب حسد أو أذى خفي.
وينطبق الأمر نفسه على الأطفال الذين يعانون البكاء المتكرر أو اضطرابات النوم؛ إذ ينبغي عدم إغفال الأسباب الصحية المحتملة، ولا سيما عندما تستمر الأعراض أو تشتد.
الرصاص ليس مادة بريئة:
الخطر الذي قد يغيب عن الممارسين بعيدًا عن المعتقدات، تبرز مخاطر صحية لا ينبغي الاستهانة بها. فالـرصاص معدن سام، والتعرض له قد يؤثر في الجهاز العصبي والكلى والقلب وأجهزة أخرى، ويشكل خطرًا خاصًا على الأطفال والحوامل. وقد يؤدي تسخين الرصاص وصهره إلى التعرض لجسيمات وأبخرة ضارة، بحسب ظروف العملية، كما يمكن أن ينتقل غباره إلى اليدين والملابس والأسطح المنزلية، ثم يصل إلى الجسم عن طريق الاستنشاق أو الفم. وتحذّر منظمة الصحة العالمية من الأضرار الصحية المرتبطة بالتعرض للرصاص، فيما تشير الإرشادات الصحية إلى أهمية الوقاية من الأبخرة والجسيمات الملوثة. ولا يعني ذلك أن كل من شاهد عملية سكب الرصاص قد تعرض للتسمم؛ فالمخاطر تختلف بحسب طبيعة التعرض ومدته ومقداره. لكن ممارسة الطقس داخل المنازل، أو بالقرب من الأطفال، أو في أماكن سيئة التهوية، تثير مخاوف صحية جدية. لذلك، لا ينبغي التعامل مع قطع الرصاص المتصلبة باعتبارها ألعابًا أو مقتنيات آمنة للأطفال، أو تركها في أماكن يمكن أن تلوث الطعام أو الأسطح المنزلية.
هل سكب الرصاص عادة دينية؟
هناك ضرورة للتمييز بين الدين بوصفه منظومة من النصوص والتعاليم، وبين التقاليد الشعبية التي قد تنشأ داخل المجتمعات المتدينة وتتوارثها الأجيال، وقد تتداخل مع معتقداتها من دون أن تكون مستمدة مباشرة من النصوص المقدسة. لذلك، فإن الجزم بأن سكب الرصاص عادة يهودية أو إسلامية أو مسيحية حصرًا يحتاج إلى أدلة تاريخية موثوقة، لا إلى مجرد تشابه الطقوس أو تداول روايات شائعة عنها.
لماذا تستمر العادة رغم تقدم العلم؟
لأن تقدم العلم لا يزيل المخاوف الإنسانية بمجرد أن يقدم تفسيرًا لها. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة وحدها، بل يبحث أيضًا عن الأمان، وعن إجابة تريحه عندما تضطرب حياته. وقد تستمر العادات الشعبية لأن الأسرة تنقلها إلى أبنائها، ولأن التجارب الشخصية تبدو لأصحابها دليلًا كافيًا، ولأن التحسن الذي يلي الطقس يُفسّر على أنه نتيجة مباشرة له، حتى عندما تكون له تفسيرات أخرى. وتزداد المشكلة عندما يتحول الاعتقاد إلى وسيلة لاستغلال الخائفين، أو اتهام أشخاص محددين بالحسد والسحر، أو دفع مبالغ مالية مقابل وعود لا يمكن التحقق منها. فحين يُقال لشخص إن شكل الرصاص يكشف هوية من حسده، قد يتحول الاعتقاد إلى مصدر للشك والخصومات العائلية والاجتماعية. وهنا لا تعود المسألة مجرد عادة فردية، بل قد تصبح سببًا في أذى نفسي واجتماعي. بين احترام الموروث وضرورة التفكير النقدي ليس المطلوب أن نسخر من الجدات أو من الأشخاص الذين ورثوا هذه العادة عن آبائهم وأمهاتهم. فالموروث الشعبي جزء من تاريخ المجتمعات، ودراسته تساعدنا على فهم مخاوف الناس وطرق تفسيرهم للمرض والخوف والمجهول. لكن احترام الإنسان لا يعني التسليم بصحة كل ما يؤمن به، كما أن احترام التراث لا يمنع إخضاع الادعاءات الصحية والغيبيّة للفحص والنقد. يمكن دراسة سكب الرصاص بوصفه ظاهرة ثقافية واجتماعية، وفهم مكانته في ذاكرة بعض العائلات، من دون تقديمه علاجًا أو وسيلة مثبتة لفك الحسد.
المصدر : قلم حر و مواقع اخرى



