
لعبد الرحمن السيد، قصة عائلة مصرية بدأت رحلتها قبل عقود بحثا عن الحلم الأمريكي. فقد وُلد عبد الرحمن السيد عام 1984 لأبوين مصريين هاجرا إلى ولاية ميشيغان.
عمل والده مهندسا وأستاذا في جامعة إيسترن ميشيغان، فيما شقت والدته طريقها المهني كممرضة. وبعد انفصال والديه، نشأ السيد في ميشيغان برعاية والده وزوجة أبيه، وهي أستاذة جامعية تنتمي إلى أسرة أمريكية بروتستانتية عريقة.
وعاش السيد في بيئة جمعت بين ثقافات متنوعة وهو ما لعب دورا في تشكيل نظرته السياسية ورغبته في خوض العمل العام.
وقال السيد لصحيفة ديترويت فري برس إن أحد أسباب “ترشحي هو أنني كنت محظوظا للغاية بتجربة ذلك التنوع الذي يميز ولايتنا وبيتنا”. وأضاف “لقد تربيت على يد والدي، وهو مهاجر من مصر كان والداه يملكان بسطة لبيع الخضراوات، وعلى يد زوجة أبي التي وُلدت ونشأت في مقاطعة غراتيوت وتنتمي إلى عائلة مستقرة في هذا البلد منذ أجيال”.
عاش السيد طفولة مريحة نسبيا، وكان يقضي فصل الصيف إما في مدينة الإسكندرية المصرية أو في الولايات المتحدة مع أفراد عائلته.
وخلال سنوات المراهقة، عمل في وظائف بسيطة بينها العمل في متجر بقالة ومطعم بيتزا محلي قبل أن يشق طريقه الأكاديمي بنجاح، محققا درجات متميزة أهلته للالتحاق بجامعة ميشيغان حيث حصل على درجتي البكالوريوس في العلوم السياسية وعلم الأحياء.
ويقف عبد الرحمن السيد على أعتاب إنجاز تاريخي غير مسبوق؛ فإذا نجح في حسم انتخابات تشرين الثاني المقبل أمام النائب الجمهوري السابق مايك روجرز، فسيصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي .
وبالنسبة لكثير من المسلمين الأمريكيين، فإن صعود السيد يتجاوز حدود المنافسة السياسية التقليدية ويحمل دلالات أوسع تتعلق بالتمثيل السياسي والاندماج في الحياة العامة.
وجاء انتصار السيد بعد معركة انتخابية حادة داخل الحزب الديمقراطي أمام النائبة هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم مالي كبير من لجنة العمل السياسي التابعة لـ”اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة” (إيباك)، إحدى أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن المواقف من الحرب في غزة شكلت واحدة من أبرز نقاط الخلاف في السباق الانتخابي.
ونقلت الصحيفة عن نِشي رحمن، الذي يعمل في قطاع الرعاية الصحية في نيويورك ، قوله إن “قصة عبد الرحمن السيد تحمل معنى شخصيا عميقا”.
وأضاف: “عندما كنت طفلا مسلما أكبر في أمريكا بعد هجمات 11 سبتمبر، لم أكن أعتقد أن هناك مكانا لشخص مثلي في عالم السياسة”.
ومنذ فوزه المثير، بدأ كثيرون يقارنون عبد الرحمن السيد بزهران ممداني، أحد أبرز الوجوه الصاعدة في التيار التقدمي الأمريكي.
ويبدو التشابه بين الرجلين واضحا؛ فكلاهما سياسي شاب ومسلم ومن أصول مهاجرة، كما بنى كل منهما حملته الانتخابية على الدفاع عن الطبقة العاملة ومواجهة التفاوت الاقتصادي.
ورغم ذلك، يرفض ممداني اختزال عبد الرحمن السيد في صورة “نسخة مصغرة” منه.
فبعد فوز السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، قال ممداني “لا أعتقد بأي حال من الأحوال أن عبد الرحمن السيد نسخة مصغرة مني، فهو شخصية سياسية لها تجربتها الخاصة ومسارها المستقل”.
بدلا من عكوف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحديث عن وضع أكبر اقتصاد في العالم، وجه خطابه لمهاجمة خصومه الديمقراطيين الذين حققوا انتصارات انتخابية مؤخرا.
لكن اللافت أن نصيب الأسد من هجومه لم يكن موجها إلى قيادات الحزب التقليدية، بل إلى اسم صاعد خطف الأضواء فجأة ألا وهو عبد الرحمن السيد، الفائز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لتمثيل ولاية ميشيغان في سباق مجلس الشيوخ.
وسخر ترامب، عقب إعلان النتائج، من فوز من وصفه بـ”الشيوعي”، معتبرا أن ذلك يمثل خبرا ممتازا للجمهوريين، فيما وصف عبد الرحمن السيد بأنه “رجل كراهية”. كما اتهمه بأنه جزء من موجة من “الشيوعيين” الذين سيجلبون “البؤس” و”الموت” إلى الولايات المتحدة .
غير أن الصورة التي ترسمها وسائل إعلام غربية لعبد الرحمن السيد تختلف كثيرا عن توصيف ترامب. فيشير الواقع إلى أن السيد ليس “شيوعيا”، بل يُعد من التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي حيث يخوض حملته الانتخابية على أساس قضايا من بينها توفير الرعاية الصحية للجميع والحد من تأثير المال السياسي، بحسب تقارير صحفية غربية.
ويحظى عبد الرحمن السيد، أو “عبدول” كما يشتهر بين انصاره في ميشيغان، بدعم شخصيات ديمقراطية تقدمية بارزة مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز.
الى ذلك حذر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من احتمالية وصول المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد إلى الرئاسة خلال 3 سنوات، وذلك بعد فوز الأخير بانتخابات الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان.
وقال فانس، في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام: “لا نريد أن تقوم الإدارة التالية، أيا كانت، لا سمح الله أن يكون لديكم الرئيس السيد بعد ثلاث سنوات، بأن يتراجع عن كل العمل المذهل الذي قمنا به أثناء قضائنا على المحتالين وتوفيرنا المال للشعب الأمريكي”، مشيرا بذلك إلى المرشح الديمقراطي المصري-الأمريكي الذي أثار فوزه قلقا في الأوساط الجمهورية.
بدوره وردا على ترامب أكد عبدالرحمن السيد، المرشح الديمقراطي الذي فاز في الانتخابات التمهيدية في ميشيغان، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول استغلال اسمه ومعتقداته الدينية لإثارة مشاعر الإسلاموفوبيا.
وردا على وصف ترامب له بأنه رجل لطيف، قال السيد في تصريح لـCNN: “يسعدني أنه يظنني رجلاً لطيفا. كثيرون يظنون ذلك”، قبل أن يضيف: “يقول (ترامب) إنه لا ضرائب على الإكراميات. الرجل لا يستطيع التركيز.
وتابع السيد، في معرض رده على الأسئلة حول طبيعة الهجمات التي يشنها ترامب، أنه يفهم جيداً ما يحاول الرئيس القيام به، وهو التركيز على جوانب من اسمه ومعتقداته الدينية لإثارة الإسلاموفوبيا، محذرا من أن هذه الممارسات لا تخدم أي هدف نبيل، بل تزيد من انقسام المجتمع، ومؤكداً أنه من مسؤولية الجميع التصدي لهذه الخطابات التي تهدد تماسك المجتمع الأميركي.
وشدد المرشح الديمقراطي على التزامه بسياسة تحتضن جميع الناس، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية أو خلفياتهم الثقافية، وقال إن كل شخص، سواء كان يهوديا أو مسلما أو مسيحيا أو هندوسيا أو سيخيا أو حتى غير مؤمن، يستحق أن يشعر بالأمان في هذا البلد، وأضاف أن هذا الالتزام يمتد أيضا إلى الحزب الديمقراطي، مؤكداً أنه سيعمل جاهداً لضمان أن يكون الحزب فضاءً آمناً للجميع، بغض النظر عن هوياتهم، في إطار رؤية شاملة تقوم على التسامح والعدالة والمساواة.
المصادر :
دير شبيغل
روسيا اليوم
CNN
ديترويت فري برس
نيويروك تايمز




