📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

حق الرد : كلمة حق في سبيل الله ولمّ شمل الأمة بقلم الشيخ حسن حمادة العاملي

كلمة حق في سبيل الله ولمّ شمل الأمة/ بقلم الشيخ حسن حماده العاملي

قرأت التقرير المنشور بعنوان: «ما مدى احتمالية تغلغل الحركة الشيرازية وتأثيرها على بنية حركة أمل وحزب الله التنظيمية مستقبلًا؟»، ورأيت أن من حق الرد، ومن باب الإنصاف، أن أقول كلمة حق، خصوصًا أنني لست طرفًا في هذا الموضوع، ولا أنطلق من خصومة مع أحد، وإنما أقول ما أراه حقًا في سبيل الله، وحرصًا على وحدة الأمة ولمّ شملها، لأن الكلمة أمانة، والاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام داخل البيت الواحد.

وبداية، فلنتفق على نقطة أساسية، وهي أنه لا يوجد شيء اسمه «شيرازيون» أو «سيستانيون» أو «خامنئيون» أو «خمينيون» أو «حكيميون» بالمعنى الذي يجعل من هذه التسميات مذاهب أو جماعات دينية مستقلة، وإنما هناك شيء اسمه شيعة جعفرية اثنا عشرية، يقلد بعضهم المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي، ويقلد بعضهم المرجع السيد علي السيستاني، أو المرجع السيد علي الخامنئي، أو غيرهما من المراجع.

والتقليد واجب على كل مكلف لم يستطع تحصيل الاجتهاد أو العمل بالاحتياط، ومن هنا فإن اختلاف المرجع الذي يقلده المكلف لا يعني اختلاف المذهب أو العقيدة أو الانتماء إلى مدرسة دينية أخرى.

لذلك سأستخدم في هذا الرد عبارة «مقلدي السيد الشيرازي»، لأنني أرى أنها أدق وأقرب إلى الإنصاف من استخدام مصطلح «الشيرازيين»، وكأنه عنوان لمذهب أو تنظيم مستقل داخل التشيع الإمامي.

ومن هنا أيضًا، فإن نقد أي فكرة أو ممارسة ينبغي أن يكون منصفًا ومحددًا، فلا يجوز أن نحمل جميع مقلدي مرجع معين مسؤولية تصرفات بعض الأفراد، كما لا يجوز أن ننسب إلى المرجع ما لم يقله أو يفتِ به.

أما اتهام البعض مقلدي السيد الشيرازي بالمغالاة، فهو تعبير غير صحيح؛ فالمغالاة شيء، والتعظيم شيء آخر، فالمرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي يشدد على تعظيم الشعائر، وهذا مصداق للقول القرآني: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

أما التطبير، فمن قال إن المرجع الشيرازي انفرد في إجازة التطبير أو استحبابه؟ وهل يعني القول بجوازه أو استحبابه إجبار المقلد عليه؟ إن هذه مسألة فقهية تناولها عدد من المراجع وكبار العلماء، ولا يصح تقديمها وكأنها شعيرة خاصة بمقلدي السيد الشيرازي وحدهم. ثم من قال إن مقلدي السيد الشيرازي وحدهم يمارسونها؟ انظروا بإنصاف، وستجدون أن التطبير موجود في بيئات شيعية متعددة، وأن معظم الشيعة، بل غالبيتهم، يستحسنون التطبير، مع اختلاف المراجع والفقهاء في الحكم عليه.

ثم إن البعض يتهم مقلدي السيد الشيرازي بأشياء مثل السير على أربع، والتشبه بالكلاب، والربط بالجنازير، والزحف على البطن، وهذه أمور لا تمت إلى شعائر الإمامية بصلة، ولا يصح نسبتها إلى المرجع السيد صادق الشيرازي من دون دليل. وهذه رسالته العملية ومحاضراته موجودة وواضحة وبين يدي القراء، فمن أراد أن يعرف موقف المرجع، فليقرأ ما كتبه وقاله هو، لا ما يُنسب إليه في المقالات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن الإنصاف ألا ننسب إلى مرجعية دينية ممارسات قام بها بعض الأفراد أو بعض الجماعات، ثم نجعل منها عنوانًا لمدرسة فقهية كاملة.

أما مشاركة السيدة الزهراء والإمام المهدي عليهما السلام في مجالس العزاء، فهي من المسلمات المتداولة في الخطاب العزائي الشيعي، وهو ما يردده كل الخطباء على المنابر تقريبًا، ولا يصح تقديمها وكأنها فكرة خاصة بمقلدي السيد الشيرازي وحدهم. وإذا كان هناك نقاش علمي حول رواية معينة أو سند معين، فليكن النقاش في إطار البحث العلمي، بعيدًا عن التعميم وتحويل المسألة إلى اتهام لمرجعية أو لمقلديها.

وبخصوص قنوات المرجعية، فمن يتابعها يتضح له أن شغلها الشاغل نشر تعاليم أهل البيت عليهم السلام وإحياء أمرهم المعظم، إضافة إلى نشر أخبار المرجعية وبياناتها ومحاضراتها واستفتاءاتها. ويمكن لأي شخص أن يتابع هذه القنوات ويحكم على مضمونها بنفسه، بدل إصدار حكم شامل على مشروعها الإعلامي.

وبخصوص نسبة البعض لأيٍّ من رجال الدين في لندن وغيرها إلى المرجعية الشيرازية، فقد صدر بيان عن مكتب المرجع الشيرازي، في مدينة قم المقدسة، في غرّة شهر ربيع الثاني 1435 للهجرة، بيّن فيه المصادر التي تعبّر رسميًا عن آراء ومواقف المرجعية الشيرازية، وجاء فيه:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وعترته الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد: فإنه لا يمثّل السيد المرجع «مدّ ظلّه» في الآراء والمواقف إلاّ مكاتب المرجعية المعروفة في مختلف أقطار العالم، وهكذا قناة «المرجعية» الفضائية العالمية.

ومن هنا، فإن نسبة أيّ موقف أو رأي إلى المرجعية الشيرازية تحتاج إلى الرجوع إلى مصادرها الرسمية المعروفة، ولا يصح تحميل المرجعية مسؤولية أقوال أو مواقف تصدر عن أشخاص لا يمثلونها رسميًا.

وفيما يتعلق بموضوع الجهاد، حيث يقول البعض إن أتباع المرجع الشيرازي لا يؤمنون بالجهاد، فهذا غير صحيح. إذ يمكن لأي إنسان أن يراجع باب أحكام الجهاد في كتاب «المسائل الإسلامية»، وهي الرسالة العملية للمرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي، وتحديدًا من المسألة 2236 إلى المسألة 2256، ليعرف موقف المرجع من هذه الأحكام بصورة مباشرة.

وفي خضم الهجمة الشرسة التي يتعرض لها مقلدو المرجع الشيرازي، فإن المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي ووكلاءه لا ينفكون يدعون إلى الحوار الشيعي ـ الشيعي والتعايش الشيعي ـ الشيعي، ولعل من أبرز الصرخات التي أطلقها المرجع الشيرازي: «الحسين يوحدنا»، في إشارة إلى وحدة الأمة حول الإمام الحسين عليه السلام.

أما بخصوص الخلاف حول ولاية الفقيه، فهي مسألة فقهية محضة اختلف فيها العديد من المراجع، فمنهم من قال بولاية الفقيه، ومنهم من قال بتعدد ولاة الفقيه، ومنهم من قال بشورى الفقهاء، وهذا اختلاف فقهي بين المجتهدين والمراجع، والاختلاف في الفقه لا ينبغي أن يفسد في الود قضية.

ولا ينبغي أن يتحول اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى تصنيف أتباع هذا المرجع أو ذاك على أنهم جماعات متصارعة، لأن الاختلاف في المسائل الفقهية والفكرية أمر عرفه تاريخ الحوزات العلمية، ولا يلغي وحدة الانتماء إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام.

ومن المفيد هنا أن نتوقف عند بعض الشهادات التي صدرت عن علماء وشخصيات دينية تجاه المرجع الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي، وكذلك تجاه آية الله الراحل السيد محمد رضا الشيرازي، لأنها تساعد على تقديم صورة أكثر توازنًا وإنصافًا.

فقد نعى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، رحمه الله، السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي عام 2008، وقال في نعيه إنه قضى أكثر عمره في خدمة الدين الشريف، وكان مثال العالم الفاضل الذي حفلت حياته بالعطاء والعمل، وأفنى عمره في التأليف والبحث والتدريس، وأغنى المكتبة الإسلامية بجملة من المؤلفات والأبحاث العقائدية والفقهية، كما وصف رحيله بخسارة للحوزات والمراكز العلمية الدينية لعالم وفقيه.

كما أبرق الشيخ عبد الأمير قبلان معزيًا المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي والمرجعيات الدينية في النجف وقم وكربلاء.

ومن الشهادات أيضًا ما صدر عن الشيخ أكرم بركات، مسؤول الوحدة الثقافية المركزية في حزب الله، في رحيل المرجع السيد محمد الحسيني الشيرازي، حيث قال: «برحيل الفقيد الكبير والمرجع العالي الشأن، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي، تغمّده الله تعالى بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه، افتقدنا علمًا كبيرًا أغنى المسلمين بعلمه وبكتبه العديدة، التي بيّن فيها معالم الإسلام وفكره الثري، وتعرّض لمحاولات الاستكبار التي واجهت المستضعفين. فكان المدافع عنهم بقلمه وبياناته».

كما قال الخطيب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، رحمه الله، في رحيل السيد محمد الحسيني الشيرازي: «فجعنا برحيل آية الله المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره، بعد جهاد طويل وبعد عن الوطن ومسيرة حافلة بالثمار».

وكذلك صدر عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان بيان في رحيل المرجع السيد محمد الحسيني الشيرازي، جاء فيه أنه قضى عمره الشريف في خدمة الدين الإسلامي الحنيف، وتبليغ أحكامه ومفاهيمه على مستوى التدريس والتأليف والبحث والتوجيه، وإنشاء المؤسسات الدينية والعلمية، وأن الأمة الإسلامية خسرت برحيله علمًا من أعلامها الكبار الذين تركوا صفحات حافلة بالعلم والجهاد والمعرفة.

وبخصوص ما قيل عن السيد حسن الشيرازي والإمام الصدر، فهذا لا يعدو كونه كلامًا نثريًا، والحقيقة يمكنكم مراجعتها في أرشيف الصحف الصادرة في حينها، فقد كان السيد حسن الشيرازي من أكثر المطالبين بكشف مصير الإمام الصدر، وكانت قضية الإمام الصدر حاضرة بقوة في المواقف والمتابعات التي تناولت مصيره.

وقد سُئل المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي عن الإمام الصدر: «ماذا تقولون في الإمام الصدر؟»، فأجاب: «هو ما تقولون عنه، وقبل أن تروه رأيناه في لبنان، وفي بيتنا في كربلاء كان موجودًا، عائلة عريقة مهمة».

وعندما قيل له: «ولكن يقولون…»، أجاب: «لا، أنا مسؤول عن نفسي».

وهذه الشهادة، مع ما يمكن الرجوع إليه في أرشيف الصحف والوثائق المنشورة عن قضية الإمام الصدر، تجعل من الضروري التوقف عن إطلاق الأحكام العامة أو بناء مواقف على كلام منقول من دون العودة إلى المصادر الأصلية.

هذه الشهادات لا تعني أن المرجع السيد محمد الحسيني الشيرازي كان متفقًا معه في كل آرائه من قبل جميع العلماء، ولا تعني إلغاء الاختلاف العلمي، وإنما تؤكد أن التعامل مع شخصية علمائية بهذا الحجم يحتاج إلى قراءة شاملة ومنصفة، بعيدًا عن اختزال تجربتها في بعض المسائل الخلافية.

أما طرح موضوع بهذا النوع، خصوصًا مع ما يحمل في طياته من افتراءات وأخبار مغلوطة، وربما تكون غير مقصودة، فأقل ما يقال عنها إنها لا تخدم الوحدة الشيعية ولا تساعد على منع الانقسام.

إننا نعيش في مرحلة حساسة جدًا، وأي انقسام داخل المجتمع الشيعي، لا سمح الله، إذا توسع، سيكون المستفيد الوحيد منه العدو الصهيوني وكل من يريد إضعاف هذه الأمة وتمزيقها.

لذلك علينا أن نكون أكثر حرصًا في إطلاق الأحكام، وأكثر دقة في نقل المعلومات، وأشد تمسكًا بأخلاق أهل البيت عليهم السلام في الحوار والاختلاف.

لسنا بحاجة إلى صناعة «شيرازي» في مواجهة «سيستاني»، أو «خامنئي» في مواجهة «شيرازي»، أو تحويل المرجعيات إلى هويات متصارعة. نحن أبناء مدرسة واحدة، ومهما اختلفنا في بعض المسائل الفقهية والفكرية، فإن محمدًا وآل محمد عليهم السلام يجمعوننا.

فلنجتمع جميعًا حول حبل الله، ونعتصم به، ولنكن مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وما حبل الله إلا محمد وآل محمد عليهم السلام.

فلنجعل اختلافاتنا بابًا للحوار والتكامل، لا مدخلًا للخصومة والانقسام، ولنجعل الحسين عليه السلام جامعًا للقلوب، كما قال المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي: «الحسين يوحدنا».

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ حسن حمادة العاملي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى