
تحقيقات بريطانية أثارت أسئلة بشأن علاقة “زاير” بحز\\ب الله ومسار الأموال التي جُمعت باسم الإغاثة، فيما تنفي الجمعية أي ارتباط سياسي.
جمعت جمعيات طلابية في جامعات بريطانية تبرعات لمساعدة المتضررين في لبنان. لكن التدقيق في مصير الأموال قاد إلى جمعية لبنانية، وفرع غير مسجل لها في بريطانيا، ومنشورات وتصريحات ربطت القائمين عليها بمؤسسات تابعة لحزب الله.
وخلال الأشهر الماضية، راجعت صحف ومنظمات بريطانية حملات جمعت مئات آلاف الجنيهات الإسترلينية لصالح جمعية “زاير”، وتتبعت وضع فرعها البريطاني وعلاقته بالجمعية الأم في لبنان.
ولم تقدم التحقيقات المنشورة دليلا على وصول أموال إلى حزب الله، كما لم تتهم الطلاب الذين نظموا الحملات بالعلم بأي صلات محتملة للجمعية بالحزب.
لكن ما كشفته عن القائمين على “زاير”، وطريقة جمع الأموال وإدارتها، دفع إحدى الجامعات إلى تعليق نشاط جمعية طلابية وإبلاغ هيئة الجمعيات الخيرية البريطانية.
وبدأ التدقيق العلني في مايو 2025، عندما نشرت صحيفة “صنداي تايمز” تحقيقا عن نشاط الجمعية في بريطانيا. وفي 25 يوليو، قالت صحيفة “التلغراف” إن جمعيات طلابية في عدد من الجامعات نظمت حملات تبرعات لصالح “زاير” UK.
وأصدرت منظمة “محامون من أجل إسرائيل في المملكة المتحدة”، المعروفة اختصارا باسم UKLFI،تقريرا قالت فيه إن جمعيات طلابية تعاونت مع الفرع البريطاني أو روجت لحملاته.
وذكرت أن لديها أدلة على روابط وثيقة بينه وبين جمعية “زاير” في لبنان وحزب الله، المحظور بجميع تشكيلاته في بريطانيا ودول عدة.
لكن المنظمة قالت إنها لم تجد دليلا على أن الطلاب كانوا يعرفون بهذه الروابط أو قصدوا تمويل أنشطة إرهابية.
واتخذ اتحاد طلاب جامعة رويال هولواي إجراء بحق جمعية “أصدقاء فلسطين” بعد أن جمعت أكثر من 1800 جنيه إسترليني لصالح “زاير”. وعلق الاتحاد نشاط الجمعية الطلابية وأحال الأمر إلى هيئة الجمعيات الخيرية.
وفي لبنان، حصلت “زاير” على “علم وخبر” من وزارة الداخلية والبلديات عام 2020. وقال مؤسسها حسين حركة، في مقابلة سابقة مع قناة “الإيمان”، إن فكرتها تعود إلى عام 2015، عندما بدأت بمساعدة غير القادرين على تحمل كلفة زيارة المراقد الدينية.
ومع تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، توسع عمل الجمعية ليشمل تقديم مساعدات صحية واجتماعية وتربوية إلى عائلات محتاجة، مع استمرارها في تنظيم الزيارات الدينية.
وتظهر وثائق التسجيل اللبنانية أن مؤسسي الجمعية هم ماهر محسن فرحات، وزينب رائف الجبيلي، وحوراء أحمد حيدر، وحسين علي دياب حركة، وزينب علي دياب حركة. وسُجل حسين حركة ممثلا للجمعية أمام السلطات اللبنانية.
ولا يرد اسم زوجته، زينب بسمة، ضمن لائحة المؤسسين، رغم أن “التلغراف” قالت إنها كانت، حتى وقت قريب، تدير نشاط الجمعية في بريطانيا.
وقال حركة إن “زاير” لا تملك ميزانية ثابتة وتعتمد على التبرعات. وأضاف أن معظم الدعم يأتي من بريطانيا، حيث ينظم فريق من المتطوعين فعاليات لجمع الأموال، إلى جانب متطوعين في كندا وفرنسا والولايات المتحدة.
وتنشر الجمعية عبر حساباتها صورا لعمليات توزيع مساعدات، خصوصا خلال الحرب الأخيرة في لبنان، وتقول إن نشاطها إنساني ولا يرتبط بأي جهة سياسية.
لكن التحقيقات البريطانية ركزت على منشورات وتصريحات للقائمين عليها.
وقالت “صنداي تايمز” إن حركة كان يعمل لدى شركة متعاقدة مع الخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو، قبل أن يُسحب منه في مايو 2025 التصريح الذي يسمح له بدخول المناطق المحظورة في المطار، بعد مراجعة منشورات على حساباته أشاد فيها بمقاتلين من حزب الله.
وأضافت الصحيفة أن حركة وزوجته، وهي طبيبة متدربة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، كانا يديران نشاط الجمعية في المملكة المتحدة. وقالت إن حملات عبر منصة “ماي صدقة” جمعت أكثر من 300 ألف جنيه إسترليني لمشاريع إغاثية في لبنان.
ونشر حركة صورا وعبارات رثى فيها مقاتلين من حزب الله. وبحسب “التلغراف”، نشرت صفحة الجمعية دعوة للمشاركة في تشييع الأمين العام السابق للحزب، حسن نصر الله، قبل أن تحذفها لاحقا.
وظهرت زينب حركة، شقيقة مؤسس الجمعية، في صورة خلال نشاط خيري إلى جانب امرأة ترتدي وشاحا يحمل شعار حزب الله.
واستندت الصحيفة أيضا إلى تصريحات أدلى بها حركة عند إطلاق نشاط “زاير” في بريطانيا عام 2021. وقال في مقابلة مع قناة “المنار” إن الجمعية تضم قسما للأطفال “منسقا مع قسم العمل الاجتماعي في حزب الله”، وفقا لما نقلته “التلغراف”.
ونقلت الصحيفة عن شقيقته قولها إن الجمعية تتعاون داخل لبنان مع مؤسسات دينية ومنظمات مجتمع مدني وهيئات العمل الاجتماعي التابعة للحزب.
ولم يتسن لـ”الحرة” التحقق بصورة مستقلة من سياق التسجيلات والمنشورات التي استندت إليها التقارير البريطانية.
ونفى متحدث باسم “زاير” UK، في تصريح لـ”التلغراف”، أن تكون الجمعية قد طلبت من الطلاب تنظيم حملات لصالحها. وقال إن المبادرات أطلقتها الجمعيات الطلابية بصورة مستقلة، وإن “زاير” UK لا تنتمي إلى أي منظمة محظورة.
وأضاف أن زينب بسمة كانت متطوعة في السابق، لكنها لم تعد تشارك في نشاط الجمعية بسبب التزاماتها الشخصية والمهنية.
وفي لبنان، نفت الجمعية وجود أي ارتباط سياسي، وقالت إنها مؤسسة إنسانية مستقلة. ونقلت التقارير البريطانية عن بسمة قولها إن الفرع البريطاني يرسل مساعدات عينية إلى لبنان، لا تحويلات مالية، وإنه يعمل بصورة مستقلة عن الجمعية الأم.
لكن وضع الفرع القانوني ظل جزءا أساسيا من التدقيق.
فبحسب تقرير UKLFI، تقدم “زاير” UK بطلب للتسجيل لدى هيئة الجمعيات الخيرية البريطانية، لكنه لم يحصل على الاعتراف الرسمي. وبذلك لا يتمتع بصفة جمعية خيرية مسجلة، ولا يخضع لنظام الرقابة نفسه المفروض على الجمعيات المسجلة.
ولم توضح المعلومات المنشورة بصورة كاملة كيف أُديرت الأموال التي جمعتها الحملات، وما إذا كانت حُولت إلى لبنان أو استُخدمت لشراء مساعدات، ومن تولى الإشراف على إنفاقها وتوزيعها.
وقالت الباحثة في الجرائم المالية والاقتصادية، محاسن مرسل، لـ”الحرة” إن المنشورات الرقمية يمكن اعتمادها أمام القضاء بعد التثبت من صحتها وعدم تعرضها للتعديل أو الاختراق.
لكنها أضافت أن المنشورات وحدها لا تكفي لإثبات مخالفة، وأن التحقيقات المالية تعتمد على تحديد مصادر الأموال ومساراتها والجهات التي انتهت إليها.
وأضافت أن الجمع بين السجلات المالية والأدلة الرقمية هو ما يسمح ببناء ملف قضائي في القضايا المرتبطة بتمويل جهات محظورة.
وفي لبنان، تعمل الجمعيات بموجب قانون يعود إلى عام 1909 ويعتمد نظام “العلم والخبر”، بدلا من اشتراط الحصول على ترخيص مسبق.
وقال أستاذ القانون والسياسات العامة في باريس، محيي الدين الشحيمي، لـ”الحرة” إن الجمعيات تظل ملزمة بالتحقق من مصادر التمويل وحفظ سجلاتها المالية ومراجعة حساباتها المصرفية.
كما تخضع، بحسب الشحيمي، للقانون رقم 44 الصادر عام 2015 بشأن مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، الذي يمنح هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان صلاحيات لمراجعة الحسابات ورفع السرية المصرفية عند الاشتباه في عمليات غير مشروعة.
وقال الشحيمي إن عدم حصول الفرع البريطاني على تسجيل رسمي يستدعي مراجعة أسباب القرار، ودعا السلطات اللبنانية والبريطانية إلى تبادل الوثائق وتتبع مسارات الأموال قبل استخلاص أي نتائج قانونية.
ولم تتحول القضية حتى الآن إلى ملف قضائي في لبنان. وقال مصدر رسمي في وزارة العدل لـ”الحرة” إن الوزارة لم تتلق أي طلب أو ملف يتعلق بجمعية “زاير”.




