📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

* : قمة مكة… نحو منظومة جديدة للأمن الجماعي*

*قمة مكة… نحو منظومة جديدة للأمن الجماعي*

لا تكمن أهمية قمة مكة فقط في الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، بل في ما يمكن أن تفتحه من مسار أوسع: الانتقال من الدفاع الجماعي إلى بناء منظومة للأمن الجماعي، تستند إلى تقاطع الدوائر الاستراتيجية للسعودية وتركيا وباكستان، وإلى تكامل أدوات قوتها الوطنية.

فالالتزام بالدفاع المشترك مهم، لكنه لا يصنع وحده منظومة أمنية. المنظومة تبدأ عندما يتحول الالتزام السياسي إلى تشاور منتظم، وتقدير مشترك للمخاطر، وتنسيق للقدرات، وحماية للمصالح الحيوية، بما يرفع القدرة على الوقاية والردع والصمود.

*من العلاقات الثنائية إلى المنظومة*
العلاقات الدفاعية بين الدول الثلاث ليست جديدة. الجديد هو إمكان الانتقال من مسارات ثنائية منفصلة إلى إطار ثلاثي ينتج قيمة استراتيجية إضافية من ترابطها.

فالمنظومة لا تعني جمع الاتفاقات القائمة، بل ربطها ضمن رؤية مشتركة للمصالح التي ينبغي حمايتها والمخاطر التي تتطلب التنسيق. وكلما انتقلت العلاقة من التعاون الظرفي إلى المأسسة، أصبح الردع أكثر مصداقية والأمن أكثر استدامة.
ولا يفترض ذلك إلغاء القرار الوطني، بل إضافة عمق جماعي إلى الأمن الوطني لكل دولة.

*ثلاث دوائر استراتيجية تتقاطع*
تجمع مكة ثلاث دول تنتمي إلى دوائر استراتيجية مختلفة ولكن متصلة.
السعودية تمثل مركز ثقل عربيًا وخليجيًا يرتبط بأمن الخليج والبحر الأحمر والطاقة. وتركيا تصل الشرق الأوسط بشرق المتوسط والبحر الأسود وأوروبا وآسيا الوسطى. أما باكستان فتمتد بدائرتها نحو جنوب آسيا وبحر العرب، بما تملكه من وزن عسكري وبشري وجيوسياسي.
هذه الدوائر لا تحتاج إلى التطابق. القيمة تكمن في إدارة نقاط تقاطعها، حيث تتداخل الطاقة بالممرات البحرية، والتجارة بالأمن، والجغرافيا بالمصالح الاستراتيجية.
وهكذا يمكن أن تتحول الجغرافيا المختلفة للدول الثلاث إلى مصدر عمق وقوة، بدل أن تبقى مجرد مساحات منفصلة.

*الأمن الجماعي يبدأ قبل الاعتداء*
الفرق جوهري بين الدفاع الجماعي والأمن الجماعي.
الدفاع الجماعي يجيب عن سؤال ما الذي يحدث عند وقوع الهجوم، أما تعزيز الأمن الجماعي فيبدأ قبل ذلك: كيف يمكن منع الاعتداء، واكتشاف المخاطر مبكرًا، ورفع كلفة المغامرة، وزيادة قدرة الدول على الصمود؟

من هنا يصبح الردع المشترك جزءًا من منظومة أوسع. فالردع الناجح لا يُقاس باستخدام القوة، بل بقدرته على جعل استخدامها غير ضروري.
كلما ارتفعت مصداقية الالتزام المتبادل ووضوح القدرة على التنسيق، انخفضت فرص سوء الحساب وازدادت كلفة الاعتداء.

*تكامل أدوات القوة الوطنية*
الأمن الجماعي لا يمكن أن يبقى عسكريًا فقط.
القوة الوطنية الحديثة تجمع السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والتمويل والصناعة والتكنولوجيا والمعلومات والقدرة العسكرية والجغرافيا.
السعودية تضيف وزنًا سياسيًا واقتصاديًا وماليًا ودورًا مركزيًا في الطاقة. تركيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية ودفاعية متقدمة. وباكستان تضيف ثقلًا عسكريًا وبشريًا وعمقًا استراتيجيًا مهمًا.
القيمة الحقيقية لا تكمن في تشابه هذه القدرات، بل في تكاملها.
حين يلتقي التمويل بالتصنيع، والسياسة بالتكنولوجيا، والجغرافيا بالقدرة الدفاعية، تصبح القوة الناتجة أكبر من مجرد مجموع قدرات ثلاث دول.
وهنا يصبح التكامل في أدوات القوة الوطنية أحد أهم ركائز المنظومة المقترحة.

*حماية الاستقرار لا صناعة محور*
من الخطأ اختزال اتفاق مكة في سؤال: ضد من؟
السؤال الأهم هو: ماذا يريد أن يحمي؟
إذا كان الهدف حماية السيادة وسلامة الأراضي واستقلال القرار والمصالح الحيوية والبنى التحتية والاستقرار، فإن المنظومة تصبح دفاعية بطبيعتها، ولا تحتاج إلى بناء هويتها على خصم دائم.

فأمن الدولة لم يعد يقتصر على حدودها. الطاقة، والموانئ، والاتصالات، والفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد، وقدرة المؤسسات على الاستمرار تحت الضغط، أصبحت جميعها جزءًا من الأمن الوطني ومن قوة الردع.

*المأسسة هي الاختبار*
تبقى كل هذه الإمكانات رهينة ما سيأتي بعد القمة.

الاختبار الحقيقي هو قدرة الدول الثلاث على تحويل الالتزام السياسي إلى آليات تشاور منتظمة، وتنسيق في تقدير المخاطر، وتعاون دفاعي وصناعي وتقني متراكم، وربط تدريجي لأدوات القوة الوطنية حيث تتقاطع المصالح.
لذلك قد يكون تعميق المنظومة أهم من توسيعها. فنجاح نموذج ثلاثي قابل للعمل أكثر أهمية من بناء إطار واسع بلا أدوات تنفيذية واضحة.

*من جمع القوة إلى تكاملها*
الدلالة الأبعد لقمة مكة ليست في إضافة تحالف عسكري جديد إلى المنطقة، بل في احتمال تنظيم القوة الموجودة أصلًا وتكاملها ضمن منظومة أكثر ترابطًا.
إذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في تحويل دوائرها الاستراتيجية المختلفة إلى شبكة مصالح، وفي توظيف أدوات قوتها الوطنية في خدمة الردع والحماية والصمود، فإن الاتفاق سيكون قد تجاوز مفهوم الدفاع الجماعي إلى مفهوم أوسع للأمن الجماعي.
عندها تصبح المعادلة واضحة: دوائر استراتيجية متقاطعة، وأدوات قوة وطنية متكاملة، وردع مشترك أكثر مصداقية، وأمن جماعي يمنح كل دولة عمقًا إضافيًا لحماية سيادتها واستقرارها.
وهذا هو الرهان الحقيقي لما بعد مكة: الانتقال من جمع القوة إلى تكاملها، ومن التعهد بالدفاع المشترك إلى بناء منظومة تمنع الخطر قبل وقوعه.

*بيروت في 7 أغسطس 2026*
*العميد الركن الطيار المتقاعد اندره بومعشر*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى