
مما يرويه الوزير السابق كاظم الخليل في كتابه مذكراتي :
في صباح أحد الأيام، وبينما أنا في مكتبي، إذ برجل ملهوف يدخل علي ويبادرني عبارة دخل جريك – وهذا تعبير شائع عند فئة من أبناء الجنوب، تعني «أنا داخل على جليك وفي مناطق أخرى يستعملون عبارة «أنا داخل عليك». وكلتا العبارتين تعنيان طلب العون السريع – ثم يستطرد الرجل ويقول:قتل ابنته ولا نعرف لماذا قتلها.
دعني أفهم منك ما الحادث ومن القاتل ومن هي القتيلة؟
– إنه أخى وأنت تعرفه وهو الذي حضر من المهجر منذ زمن قريب وزاركم فى منزلكم هو نفسه قتل ابنته فى هذا الصباح، منذ ساعتين. وهي عروس.
والليلة الماضية كانت ليلة عرسها الفخم الذي دعي إليه كل أهل القرية والقرى المجاورة… مانت بثياب العرس مسكينة مريم… لا، وهو مسكين أيضًا ولا أدري ما أصابه وما حلّ به وربما قد أصابه مس من الجنون… وها أنا داخل عليك». أرجو أن تحضر معي إلى القرية وتساعده هو الذي طلب مني أن آتي على جناح السرعة لأن الدرك صادروا منه المسدس وبدأوا باستجوابه.
وهل سألوه لمذا قتلها وكيف قتلها ؟
– سألوه فقال: «لا أدري كيف قتلتها ولماذا قتلتها . » هذا ما سمعته يقول.
لبيت إلحاح الرجل، وذهبت معه إلى القرية، وهي على بعد ١٥ كيلومترا من صور، فوجدت أهل القرية مجتمعين وهم محزونون ورجال الدرك مختلون في إحدى غرف المنزل الذي بناه حديثا وما يزالون يستجوبون المجرم.
دخلت عليهم، وما إن رآني القاتل حتى أجهش في البكاء، وأخذ يلطم وجهه ويسأل بصوت مرتفع: «قتلتها !!!… دخيلك ساعدني وخذ ما تريد».
هدأت من روعه، وكان قاضي التحقيق قد حضر وباشر باستجوابه. وكان القانون لا يسمح بحضور المحامي مع موكله كما هي الحال اليوم. إستدعيت زوجة القاتل إلى غرفة مجاورة في المنزل، وهي تندب ابنتها وتبكيها.
يطلب مني زوجك أن أساعده فهل تريدين مني مساعدته ؟
ما حيلتي؟ أليس من الأفضل ألا أخسر الإثنين معا؟ يكفي أني خسرت ابنتي وهي في ريعان شبابها وآية من الجمال. نعم أرجوك أن تساعده فوجه الحي أفضل من وجه الميت».
إذا كنت فعلا تريدين مساعدة زوجك فيجب أن تقضي علي حقيقة الحادث. كيف جرى؟
بعد تردد ثم اقتناع، قالت: سأطلعك على كل شيء… لقد هاجر زوجي منذ خمسة وعشرين عاما، وكنت حاملا بابنتي ( الضحية) وعاد منذ سنة ونصف تقريبا، ومعه ثروة حسده الكثيرون عليها. فبنى هذا المنزل، وأثه واشترى أرضًا وأصبحنا نعيش في نعيم.
عاد من المهجر فوجدني كما تراني عجوزا هرمة، ووجد في منزله شابة في ريعان صباها تطفح حيوية وجمالا، فهام بها، وأغدق عليها الكثير من كرمه وهداياه، وأخذ يتودد إليها.
تقدم الكثيرون من أبناء بلدتنا يطلبون منه يدها فأبى عليهم ذلك، واحتفظ بيدها لنفسه واندفع في ضلاله. ثم أخذ يراودها عن نفسها، فأنكرت عليه تصرفه لكنه لم يرتدع. واستمر يلاحقها حتى تمكن منها، فأتت إلى باكية تشكو أمرها . فاصطدمت أنا معه، وأنبته على تصرفه المنكر، لكنه لم يرتدع.
أخيرا شكوت أمره لأخيه، فطلب الا أدع أحدًا في القرية يعرف عنه شيئًا، وأخذ على عاتقه أمر ردعه، لكن هذا أيضًا لم يجد معه نفعا، وجاءني يوما يخبرني بأنه قرر تزويج ابنته من ابن شقيقته شريطة أن يكون صهر البيت، أي أن يقيم هو وزوجته معنا. وكانت غايته أن يبقي الابنة معه في المنزل وفي متناول يده كلما اشتهاها.
قبلت بالاقتراح على أنه أهون الشرين ويستر أمره، وربما يرتدع إن كان للابنة زوج يسهر عليها، ويدفع عنها الأذى. وابن شقيقته هذا شاب فقير يعمل ماسحأحذية في بيروت، فاستدعاه على عجل، وعرض عليه الأمر، فظن الشاب أن ليلة القدر قد نزلت عليه، وإن عطف خاله قد بلغ ذروته. وكانت الليلة المنصرمة ليلة عرسها الفخم فزففناها إلى عريسها بعد أن أبرزنا جمالها، فكانت آية في الحسن ذات جمال ملائكي. ولم تغرب عيناه عنها طوال فترة التعريس، وهي تتخايل بين المعرسين وتشترك بالدبكة والرقص.
ما إن انتهت الحفلة وأوت إلى مخدع أعددناه لها ولزوجها في أحد غرف المنزل، حتى جن جنونه، ولم يقو على كبح جماح نفسه، فوضع كرسيا إلى جانب باب الغرفة، واعتلى فوقه لكي يرى ما يفعلان من وراء زجاج فوق الباب يعرف بالمنور) ثم يضع أذنه على موضع مفتاح الباب ليسمع ما يتحدثان به.
وكنت كلما لاحظت أنه يقوم بشيء من هذا أصطدم معه وأونبه وأردعه فيعود إلى فراشه. وما كادت العروس تختلي بعريسها، حتى شرحت له أسباب عطف والدها عليه، وفعلته معها بكل تفصيل وصراحة. وطلبت منه أن يغادرا بيت والدها في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ من نومه إلى بيروت حيث يعيشان معا مفضلة عيشة الفقر والعوز على عيشة الرذيلة والانحطاط.
هكذا نهضا باكرا في الصباح، وبدأ يجمعان ثيابهما. وإذ بزوجي يدخل عليهما ويستوضح أمر تصرفهما هذا، فأبلغاه عزمهما على الرحيل عنه، فجن جنونه. أخذ يقنع ابنته بالبقاء ويطالب صهره بالشرط الذي اتفقا عليه. وعندها ثارت العروس، وانقلبت إلى لبوة شرسة فهاجمت والدها بعنف وبصوت مرتفع ونعتته بأبشع النعوت. فارتد إلى غرفته وأحضر مسدسه، فتقدمت منه باسطة ذراعيها بارزة له صدرها وطلبت إليه أن يفرغ طلقاته فيها ليريحها من سفالته وتفاهته. ولم يرفض طلبها، فضغط على زناد المسدّس فاستقرت الرصاصات الأربع في قلبها، وسقطت فورًا تتخبط في دمائها، وما لبثت أن استراحت من والدها الوحش.
تأثرت جدًا لهذا الحادث، واستنكرته، خصوصًا أن الوالدة الجريحة كانت تسرده وهي تذرف الدموع سخية. وحاولت أن أرفض التوكيل كيلا أساعد هذا الوحش البشري، ولم تقبل الوالدة محاولتي الرفض، وأصرت على وعدي لها بالمساعدة. فرفعت قيمة الأتعاب كمن لا يريد أن يزوج ابنته فيزيد قيمة مهرها وطلبت أن يكون بدل الأتعاب مئة ليرة ذهبا يدفع نصفها نقدًا والنصف الآخر عند المحاكمة. وهذا أقصى ما يمكن أن يدفع كأتعاب في مثل هذه الدعوى لكبار المحامين، نظرًا لارتفاع قيمة النقد في حينه. فاستشاروا القاتل فقال لهم: ادفعوا كل ما يريده نقدًا شرط أن يساعدني هو ووالده. وهكذا قبضت نقدًا خمسين ذهبية عثمانية، كما قبضت عند المحاكمة خمسين ذهبية أخرى.
بقي القاتل يدعي أمام المحقق أنه لا يعرف لماذا قتل ابنته، وأنه مريض ويصاب بنوبات ذهول عقلي من آن إلى آخر. وبعد بضعة أسابيع من الحادث، جاء إلي شقيق المتهم يقول إنه استحصل على تقرير طبي من طبيب معروف في بيروت واسمه ج. ح.، لقاء عشرين ليرة ذهبية. ويقول فيه إنه كان يصطاد بالقرب من قرية المتهم، ودعي لمعاينته على عجل فوجده مصابًا بنوبة عصبية فقد معها وعيه. فلا يدري ما يقول أو يفعل، وبعد إسعافه طلب منه أن يأتي إلى عيادته لمعالجته، وبقي يعالجه مدة، وإلى حين ارتكاب جريمته، وحضر هذا الطبيب أمام المحكمة وأقسم اليمين على القرآن، وأدى شهادته الكاذبة التي ما كنت أظن أنه يقدم عليها مقابل أي ثمن.
لم تقتنع المحكمة كل الاقتناع بتقرير الطبيب، واعتبرت أن المرض المزعوم غير مبرى من الجريمة بل مخفف للعقوبة، فحكمت عليه بالسجن ست سنوات، فميز الحكم وخفضت محكمة التمييز العقوبة إلى أربع سنوات أمضاها كاملة في سجنه.
لقد كانت هذه القضية أغرب قضية، وأول جناية أتوكل بها، وأتقاضى فيها أكبر مبلغ تقاضيته كأتعاب محاماة طوال تعاطي المحاماة في الجنوب وإلى أن عينت قاضيا سنة .١٩٣٤
هذه القصة يرويها الوزير الراحل كاظم الخليل في مذكراته ( مذكراتي ) الجزء الأول . المذكرات 3 اجزاء
الجمعية اللبنانية للحفاظ على صور تقيم ندوة حول المذكرات يشارك فيها الوزير السابق فارس بويز والدكتور احمد بيضون ويدر الندوة الصحافي جاد الأخوي , في معرض الكتاب العربي الدولي – البيال – بتاريخ 12 ت1 2026 الساعة 6 و 45 دقيقة .



