
لمن ترك الجنوب؟ وما الذي يُحضَّر له؟
الجنوب اليوم يعيش حالة العزلة والانفراد بمصيره المجهول، والشعب هناك تحت وطأة الإضطهاد والضغط والفقر الذي بدأ يضرب أواصره، فيما الجميع يشاهد بصمتٍ مريب؛ صمتٌ لا يبعث على الاطمئنان، بل يثير سؤالاً أكبر: إلى أين يُدفع الجنوب؟ ومن يقرر مصيره؟
البلد يقف على حافة الانهيار، يفتقر إلى أبسط مقومات العيش، والجنوب تحديداً يواجه مصيراً بالغ الخطورة؛ أرضٌ تُستباح، جغرافيا تُنتقص، قرى تُحاصر، وأهالٍ يُدفعون تدريجياً إلى اليأس والإحباط، فيما السلطة تغرّد في وادٍ آخر، وكأن الجنوب ليس جزءاً من الدولة إلا عندما يحين موعد البيانات والخطب.
المسألة لم تعد فقط مسألة احتلال أو اعتداء أو خرقٍ للسيادة.
المسألة اليوم هي: ماذا بعد؟
ماذا لو كان المطلوب ليس فقط إخراج الجنوب من معادلة المواجهة، بل إخراجه تدريجياً من معادلة القرار؟
ماذا لو كان المطلوب تحويل الجنوب إلى مساحة تنتظر مصيرها على طاولة تفاوض لا يملك أهلها ولا الدولة أدوات التأثير فيها؟
فالجنوب الذي قاوم لعقود، ودفع أثماناً باهظة من أرضه ودمه وتهجيره، يجد نفسه اليوم أمام معادلة شديدة القسوة:
لا حرب تحسم، ولا سلام يعيد الحقوق، ولا دولة تستعيد المبادرة، ولا خطة واضحة تقول للناس ماذا ينتظرهم.
وهنا تكمن الخطورة.
حين تترك منطقة كاملة لمصيرها، لا يعود الفراغ مجرد غيابٍ للدولة، بل يتحول إلى مشروع سياسي قابل لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد وحتى الوعي.
أن يبقى الجنوبي في أرضه تحت الضغط، بلا أفق اقتصادي، بلا ضمانات أمنية، وبلا جواب سياسي واضح حول مستقبل أرضه، يعني أن الضغط لا يستهدف الحجر وحده، بل يستهدف قدرة الإنسان على البقاء.
والأخطر من ذلك أن يتحول النزوح، ولو تدريجياً، من نتيجة مؤقتة إلى واقع دائم؛ وأن يتحول الاحتلال، ولو جزئياً، من أمر طارئ إلى أمر واقع؛ وأن تتحول المناطق العازلة والتجريبية والحدود الجديدة من إجراءات مؤقتة إلى خرائط معتادة يتأقلم معها الناس مع مرور الوقت.
هنا يجب أن نتوقف.
لأن التاريخ لا يُغيّر الخرائط دائماً بقرار واحد.
أحياناً تتغير الخرائط بالصمت، وبالانتظار، وبالاعتياد.
تبدأ القصة بقرية ممنوعة من العودة، ثم منطقة تُصنّف أمنية، ثم أرض يُقال إنها مؤقتاً خارج الخدمة، ثم واقع جديد يصبح التفاوض حوله هو الأصل، ويصبح استعادته لاحقاً هو الاستثناء.
وهذا تحديداً ما يجب أن يقلق منه لبنان.
فالسيادة ليست علماً يُرفع على الحدود، ولا بياناً يصدر بعد كل خرق.
السيادة هي أن يعرف المواطن أن دولته قادرة على حماية أرضه، وأن الاحتلال ليس قدراً، وأن الحدود ليست وجهة نظر، وأن أي تغيير في الجغرافيا لن يتحول إلى أمر واقع بمجرد مرور الوقت.
لكن ماذا تفعل السلطة؟
تفاوض من جهة، وتراقب من جهة أخرى، وتطلب من الناس الصبر من جهة ثالثة، بينما الجنوب يدفع الثمن يومياً.
والسؤال الذي لا يجوز أن يبقى ممنوعاً:
هل هناك خطة حقيقية لإعادة الجنوب إلى الدولة وأهله، أم أن هناك من يعمل على إدارة خسارته بدلاً من استعادة حقوقه؟
فإدارة الأزمة ليست حلاً.
وتجميد النزاع ليس سلاماً.
والهدوء الذي يُبنى على حساب الحقوق ليس استقراراً.
والتنازل الذي يُقدَّم على أنه واقعية سياسية قد يتحول غداً إلى سابقة يصعب التراجع عنها.
اليوم، الجنوب لا يحتاج إلى خطابات تضامن موسمية، ولا إلى بيانات استنكار تُقرأ ثم تُنسى.
الجنوب يحتاج إلى مشروع دولة.
مشروع يعيد تثبيت الناس في أرضهم، ويعيد بناء اقتصادهم، ويحمي حقهم في العودة، ويضع الاحتلال أمام مسؤولياته، ويمنع تحويل الأمر الواقع إلى حدود جديدة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بدل أن يبقى لبنان الطرف الوحيد المطلوب منه تقديم التنازلات.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نخسر معركة.
الأخطر أن نخسر معنى الأرض.
أن يصبح الجنوبي معتاداً على فكرة أن هناك أرضاً لا يستطيع الوصول إليها، وقرية لا يستطيع العودة إليها، وحدوداً تتغير أمام عينيه، ثم يُطلب منه أن يعتبر ذلك كله «مرحلة انتقالية».
في السياسة، أخطر الهزائم ليست تلك التي تُعلن.
بل تلك التي يتعوّد عليها الناس.
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس فقط: ماذا ترك الجنوب؟
السؤال الأشد خطورة هو:
من ترك الجنوب؟ ولماذا؟ وإلى أين يريد أن يأخذه؟
فإذا كان المطلوب دولةً كاملة السيادة، فليُقال ذلك بوضوح.
وإذا كان المطلوب تسوية، فلتُعرض على اللبنانيين بشفافية.
وإذا كان المطلوب ترتيبات جديدة على الأرض، فليخرج من يملك القرار ويشرح للناس حدودها وأهدافها ومصير الأراضي التي تُنتزع من تحت أقدامهم.
أما أن يبقى الجنوب وحيداً، بين احتلالٍ يوسّع وقائعه، وسلطةٍ تكتفي بإدارة المشهد، وشعبٍ يدفع الثمن من أرضه وبيته ورزقه ومستقبله، فهذه ليست سياسة دولة.
هذه سياسة انتظار.
والانتظار في الجنوب ليس محايداً.
لأن كل يوم يمرّ بلا موقف واضح قد يصنع واقعاً جديداً، وكل واقع جديد قد يتحول غداً إلى ورقة تفاوض، وكل ورقة تفاوض قد تتحول بعد سنوات إلى أمرٍ يُقال للبنانيين:
لقد أصبح الأمر واقعاً، فتعايشوا معه.
وهنا تحديداً يجب أن يُرفع الصوت.
ليس دفاعاً عن طرف سياسي، ولا عن مشروع حزبي، ولا عن معادلة سلاح.
بل دفاعاً عن فكرة واحدة يفترض ألا تكون موضع تفاوض:
أن الجنوب لبناني، وأن أهله ليسوا فائضاً بشرياً يمكن تركه على هامش التسويات، وأن الأرض التي تُنتزع بالقوة لا تصبح مشروعة بمجرد أن يصمت العالم عنها.
فالجنوب ليس ملفاً على طاولة أحد.
الجنوب هو قلب السيادة اللبنانية.
ومن يترك قلب الدولة ينزف، لا يستطيع أن يقنع اللبنانيين أن الدولة بخير.
هنادي عباس
كاتبة باحثة سياسية
٩ اب ٢٠٢٦



