بعد تخطي الدين العام الأمريكي عتبة ٤٠ تريليون دولار .. هل ما زال الدولار ملاذاً آمناً للبنانيين؟
أثار وصول الدين الأميركي إلى نحو 40 تريليون دولار مخاوف متزايدة حول مستقبل الاقتصاد الأميركي والدولار، وطرح سؤالاً مهماً لدى اللبنانيين الذين لجأوا إلى العملة الأميركية لحماية مدخراتهم بعد الانهيار الكبير الذي أصاب الليرة: هل ما زال الدولار ملاذاً آمناً، أم أن الوقت حان للبحث عن بديل؟
لفهم المسألة، يجب أولاً التمييز بين حجم الدين الأميركي وبين احتمال انهيار الدولار. فالدين الفيدرالي الأميركي هو مجموع الأموال التي اقترضتها الحكومة الأميركية عبر إصدار سندات وأذونات لتمويل العجز بين إيراداتها ونفقاتها. وقد تجاوز الدين مستوى 40 تريليون دولار في أغسطس 2026، فيما يبلغ الجزء الذي يحمله المستثمرون والجمهور نحو 32.3 تريليون دولار، والباقي التزامات داخلية بين مؤسسات الحكومة الأميركية.
الرقم ضخم ومقلق، لكن مجرد وصول الدين إلى 40 تريليون دولار لا يعني أن الدولار يقترب تلقائياً من الانهيار. المشكلة الحقيقية تكمن في استمرار الدين والعجز في الارتفاع بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على تحمله، وما ينتج عن ذلك من زيادة في فوائد الدين. وكلما ارتفعت الفوائد التي تدفعها الحكومة الأميركية، ازدادت الأموال التي تحتاج واشنطن إلى تخصيصها لخدمة الدين بدلاً من استخدامها في مجالات أخرى.
وقد بدأت الأسواق بالفعل بإظهار بعض القلق بشأن المالية الأميركية، من خلال ارتفاع عوائد سندات الخزانة وتراجع الدولار في بعض الفترات وارتفاع الطلب على الذهب. لكن هذه التطورات لا تعني أن النظام المالي العالمي تخلى عن الدولار.
فالدولار لا يستمد قوته من الاقتصاد الأميركي وحده، وإنما من حجم الاقتصاد الأميركي، وعمق أسواقه المالية، وانتشار سندات الخزانة، ودوره في التجارة العالمية والمدفوعات الدولية والاحتياطات النقدية للمصارف المركزية. وما زال الدولار يشكل أكثر من نصف الاحتياطات الرسمية من العملات الأجنبية عالمياً، رغم وجود اتجاه تدريجي لدى بعض الدول لتنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها عليه.
وهنا تظهر نقطة مهمة: انخفاض الدولار ليس هو نفسه انهياره. فمن الممكن أن يفقد الدولار جزءاً من قوته الشرائية أو أن يتراجع أمام الذهب والعملات الأخرى، وهذا أمر طبيعي يمكن أن يحدث مع أي عملة. أما انهياره كعملة عالمية، بما يعني فقدان الثقة به بصورة واسعة وسريعة، فهو سيناريو مختلف وأكثر خطورة، ولا يبدو في الوقت الراهن السيناريو الأكثر ترجيحاً.
هناك أيضاً مشكلة البديل. فحتى مع رغبة بعض الدول في تقليل الاعتماد على الدولار، لا توجد حالياً عملة واحدة تستطيع بسهولة أن تحل مكانه بالكامل. اليورو يمتلك أهمية عالمية كبيرة، لكن الاتحاد الأوروبي لا يقدم سوقاً مالية مطابقة من حيث الحجم والعمق للسوق الأميركية، بينما لا يزال اليوان الصيني يواجه قيوداً مرتبطة بحركة رأس المال وطبيعة النظام المالي الصيني. ولذلك قد نشهد تراجعاً تدريجياً في هيمنة الدولار بدلاً من سقوط مفاجئ له.
أما بالنسبة إلى اللبناني، فالصورة مختلفة تماماً. فقد عاش اللبناني خلال السنوات الماضية تجربة انهيار الليرة وفقدانها معظم قيمتها، وما رافق ذلك من تضخم وانخفاض حاد في القدرة الشرائية. ولهذا السبب أصبح الدولار بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين ليس مجرد عملة أجنبية، بل أداة لحماية المدخرات والقوة الشرائية.
ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني أصبح شديد الدولرة، وأن أصحاب الدخول بالدولار تمكنوا من الحفاظ على قدرتهم الشرائية بصورة أفضل من أصحاب الدخول بالليرة خلال الأزمة.
وهذا يفسر لماذا لا يبدو منطقياً أن يقوم اللبناني الذي يحتفظ بمدخراته بالدولار ببيعها والعودة إلى الليرة لمجرد أن الدين الأميركي ارتفع إلى 40 تريليون دولار. فالمقارنة بالنسبة إليه ليست بين الدولار وعملة مثالية، وإنما بين الدولار من جهة وواقع الاقتصاد اللبناني والليرة من جهة أخرى.
لكن الأزمة اللبنانية كشفت خطراً آخر بالغ الأهمية، وهو أن أمان المدخرات لا يتعلق بالعملة فقط، وإنما بالمكان الذي توجد فيه هذه المدخرات.
فامتلاك 50 ألف دولار نقداً يختلف عن امتلاك 50 ألف دولار كوديعة في مصرف لبناني. وقد أظهرت الأزمة المصرفية منذ عام 2019 أن الوديعة بالدولار في مصرف لبناني لم تكن تعني بالضرورة قدرة صاحبها على الوصول إلى أمواله بالدولار متى أراد. ولا تزال معالجة أزمة القطاع المصرفي وحقوق المودعين وإعادة هيكلة المصارف من الملفات الأساسية المطروحة، فيما يشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة استكمال الإصلاحات وإعادة بناء القطاع المالي اللبناني.
ومن هنا، فإن السؤال الصحيح بالنسبة إلى اللبناني ليس فقط: هل أحتفظ بالدولار؟ بل أيضاً: أين أحتفظ بالدولار؟ وكيف أوزع مدخراتي؟
بالنسبة إلى صاحب المدخرات الصغيرة، قد تكون الأولوية للسيولة والأمان والاحتفاظ بجزء مناسب من المال بالدولار لتغطية الحاجات والطوارئ. أما صاحب المدخرات الأكبر، فيمكنه التفكير في توزيع جزء من أمواله بين الدولار والذهب وأصول حقيقية أو استثمارات منتجة، بحسب حاجاته وقدرته على تحمل المخاطر.
فعلى سبيل المثال، يمكن لشخص يملك 10 آلاف دولار أن يحتفظ بالجزء الأكبر بالدولار، مع تخصيص جزء صغير للذهب أو لاستثمار مناسب. أما من يملك 50 ألف دولار أو 100 ألف دولار، فقد يكون التنويع أكثر أهمية، بحيث لا تكون كامل الثروة مرتبطة بالدولار أو بمصرف واحد أو بأصل واحد. وهذه النسب ليست وصفة استثمارية ثابتة، بل مثال على مبدأ أساسي هو توزيع المخاطر.
أما الذهب، فيمكن أن يكون وسيلة تحوط مهمة، خصوصاً في فترات التضخم وعدم اليقين المالي والجيوسياسي، لكنه ليس بديلاً مثالياً عن الدولار. فالذهب لا يولد دخلاً دورياً، ويمكن أن يرتفع أو ينخفض سعره، ولذلك فإن تحويل كامل المدخرات الدولارية إلى ذهب يحمل بدوره مخاطر.
والأمر نفسه ينطبق على العقارات والأراضي والأصول الحقيقية. فهي قد تساعد في الحفاظ على الثروة على المدى الطويل، لكنها أقل سيولة من الدولار، وقد يحتاج صاحبها إلى وقت لبيعها والحصول على أمواله.
لذلك فإن أفضل درس يمكن استخلاصه من التجربة اللبنانية هو عدم البحث عن ملاذ واحد مطلق. فالليرة أثبتت أنها قد تكون شديدة الخطورة في ظروف الانهيار النقدي، والدولار يمكن أن يتعرض للتضخم والتراجع، والذهب يمكن أن يتقلب، والعقار ليس دائماً قابلاً للبيع بسرعة، والمصارف قد تواجه أزمات. أما توزيع المدخرات بين أكثر من نوع من الأصول وأكثر من مكان للحفظ، فيقلل من خطر أن تؤدي أزمة واحدة إلى خسارة الجزء الأكبر من الثروة.
وبالتالي، فإن وصول الدين الأميركي إلى 40 تريليون دولار يستحق القلق والمراقبة، لكنه لا يمثل بحد ذاته سبباً كافياً للبناني للتخلي عن الدولار. فحتى الآن لا يزال الدولار العملة الأساسية للنظام المالي العالمي، بينما لا يزال اللبناني يواجه مخاطر محلية مختلفة تماماً مرتبطة بتاريخ انهيار الليرة والأزمة المصرفية.
والخلاصة الأوضح للمواطن اللبناني هي أن الدولار ما زال، في الظروف الحالية، أحد أكثر الملاذات العملية لحماية المدخرات من مخاطر الليرة، لكنه ليس ملاذاً مضموناً إلى الأبد. والأكثر حكمة ليس الهروب منه بسبب المخاوف من الدين الأميركي، ولا وضع كل الثروة فيه، بل الاحتفاظ بجزء أساسي بالدولار مع تنويع جزء آخر في الذهب أو أصول أخرى مناسبة، والأهم تجنب وضع كامل المدخرات في مصرف واحد أو في مكان واحد.
بعبارة بسيطة: أزمة الدولار المحتملة هي خطر يجب مراقبته، أما انهيار الليرة فهو خطر اختبره اللبنانيون بالفعل. ولذلك فإن التخلي عن الدولار بدافع الخوف من الدين الأميركي، من دون وجود بديل أكثر أماناً، قد يكون قراراً متسرعاً.
موقع قلم حر




