📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

بين احتلالين: لماذا اختلفتُ في طريقة مواجهتهما؟ بقلم الأستاذ محمد أيوب

لفترة طويلة من حياتي السياسية والوطنية كنت أقول إن لبنان عاش تحت احتلالين مختلفين: الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والهيمنة السورية على القرار اللبناني من جهة أخرى. وقد تعرضت بسبب هذا الموقف لانتقادات من جهات متعددة؛ فالبعض اعتبر أن الاحتلال هو احتلال مهما اختلفت هويته، وأن الموقف منه يجب أن يكون واحداً، بينما رأى آخرون أن مجرد المقارنة بين الحالتين أمر غير جائز. لكنني كنت دائماً أرى أن من حق الإنسان أن يميز بين الوقائع المختلفة، وأن يختار لكل حالة الوسيلة التي يعتقد أنها الأنسب لمواجهتها.
لم يكن موقفي نابعاً من محاباة لهذا الطرف أو ذاك، ولا من قبول بأي شكل من أشكال المساس بالسيادة اللبنانية، بل من قراءة سياسية وأخلاقية لطبيعة كل حالة على حدة. فبالنسبة لي، كانت السيادة اللبنانية قيمة غير قابلة للمساومة، سواء انتهكتها إسرائيل أو انتهكها النظام السوري أو أي جهة أخرى. لكن الدفاع عن السيادة لا يعني بالضرورة اعتماد الوسائل نفسها في كل الظروف، لأن طبيعة الخصم وطبيعة العلاقة معه وطبيعة الصراع نفسه تفرض أحياناً وسائل مختلفة للوصول إلى الهدف ذاته.
كنت أعتبر الاحتلال الإسرائيلي احتلالاً كلاسيكياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. دولة أجنبية عدوة دخلت الأراضي اللبنانية بالقوة العسكرية، واحتلت أجزاء واسعة من الجنوب، وفرضت أمراً واقعاً بالقوة، وأوقعت آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين. في مثل هذه الحالة، كنت أرى أن مقاومة الاحتلال بالسلاح حق طبيعي ومشروع للشعوب التي تتعرض للاحتلال. فالتاريخ الإنساني كله يكاد يجمع على أن الشعوب لا تستعيد حريتها وأرضها عندما تواجه الاحتلال العسكري المباشر إلا عبر أشكال مختلفة من المقاومة، وفي مقدمتها المقاومة المسلحة عندما تصبح الوسائل الأخرى عاجزة عن تحقيق الهدف.
لذلك لم أكن أجد تناقضاً في تأييدي لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لأنني كنت أنظر إلى المسألة من زاوية وطنية بحتة. لم تكن القضية مرتبطة بحزب أو طائفة أو أيديولوجيا، بل بحق شعب في الدفاع عن أرضه وسيادته. فالاحتلال العسكري الخارجي يمثل اعتداءً مباشراً على الوطن، ومن الطبيعي أن يواجه بأدوات تتناسب مع طبيعة هذا الاعتداء.
أما في ما يتعلق بالوجود السوري في لبنان، فقد كان موقفي مختلفاً رغم اعتراضي الواضح على كل أشكال الوصاية والتدخل في القرار اللبناني. كنت أرى أن العلاقة بين لبنان وسوريا ليست علاقة عدوين تاريخيين، بل علاقة شعبين تجمعهما روابط عميقة من التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصالح المشتركة. ومن هنا كنت أعتقد أن المواجهة العسكرية بين اللبنانيين والسوريين ستكون كارثة على الطرفين، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الدماء والانقسامات والأحقاد.
كنت أنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة. فإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يمثل عدواناً خارجياً مباشراً، فإن المشكلة مع النظام السوري كانت، في نظري، مشكلة سياسية تتعلق بطبيعة العلاقة بين دولتين جارتين وبحدود النفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية. ولذلك كنت أرى أن الوسائل السياسية والدبلوماسية والشعبية هي الأجدى والأكثر أخلاقية والأقل كلفة على المجتمع اللبناني.
لم أكن أعتقد أن السلاح هو الحل لكل مشكلة، بل كنت أؤمن بأن السياسة قادرة أحياناً على تحقيق ما تعجز عنه الحروب. وقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن الضغوط السياسية والشعبية والدبلوماسية تستطيع أن تفرض تغييرات كبيرة عندما تتوافر الإرادة الوطنية والوحدة الداخلية والدعم الدولي المناسب.
في جوهر هذا الموقف كان هناك بعد أخلاقي أيضاً. فقد كنت أقول دائماً إن الخلاف مع الشقيق لا يجب أن يتحول إلى حرب وجود. قد يخطئ الشقيق، وقد يعتدي على حقوق أخيه، وقد يتجاوز الحدود المقبولة، لكن معالجة هذا الخطأ يجب أن تبدأ بالحوار والضغط السياسي والسعي إلى تصحيح المسار قبل الوصول إلى المواجهة الدموية. كنت أؤمن بأن الحفاظ على حياة الناس ومنع الفتنة والاقتتال الداخلي يجب أن يبقى أولوية وطنية لا تقل أهمية عن الدفاع عن السيادة نفسها.
بطبيعة الحال، لا يعني هذا أنني كنت أقبل بالهيمنة السورية أو أبررها أو أعتبرها أمراً طبيعياً. على العكس تماماً، فقد كنت أرفض أي وصاية على القرار اللبناني، وأرى أن لبنان يجب أن يكون سيداً حراً مستقلاً في قراره الوطني. لكنني كنت أفرق بين رفض الواقع وبين الوسيلة المعتمدة لتغييره. فالهدف واحد، وهو استعادة السيادة الكاملة، أما الوسائل فقد تختلف وفق طبيعة التحدي والظروف المحيطة به.
اليوم، وبعد كل ما مر به لبنان من حروب وأزمات وانقسامات، ما زلت أعتقد أن الشعوب تحتاج إلى الحكمة بقدر حاجتها إلى الشجاعة. فالشجاعة مطلوبة للدفاع عن الوطن عندما يتعرض للاحتلال والعدوان، لكن الحكمة مطلوبة أيضاً لاختيار الوسائل التي تحمي الوطن من الانهيار والاقتتال وتمنع تحويل الخلافات السياسية إلى نزاعات دامية.
إن الدفاع عن السيادة لا يقاس فقط بحدة الخطاب أو بامتلاك السلاح، بل يقاس أيضاً بالقدرة على حماية المجتمع والحفاظ على وحدته الوطنية ومنع سقوطه في دوامات العنف. ومن هنا جاء اقتناعي بأن الاحتلال الإسرائيلي كان يستوجب المقاومة المسلحة، بينما كانت الهيمنة السورية تستوجب النضال السياسي والدبلوماسي والشعبي. قد يختلف البعض مع هذا التقييم، وقد يتفق آخرون معه، لكنه كان موقفاً نابعاً من قناعة بأن لكل معركة أدواتها، وأن الهدف النهائي يجب أن يبقى دائماً حماية لبنان واستعادة قراره الحر المستقل وصون كرامة أبنائه ومستقبلهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى