📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

من الدكتور محمود ابو خليل لسماحة الأمين العام الرمز

سماحة الأمين العام الرمز :

بعد سنتين على استشهادك، لم نجد بدًّا من استعادة ما كتبناه ونشرناه يوم ارتقائك، لا لأن الكلمات القديمة تستجدي التكرار، ولا لأن وجع الغياب يحتاج إلى تجديد، بل لأن ما قيل في حضرة الشهادة لا تنقضي صلاحيته بانقضاء المناسبة. فما كتبناه يومها لم يكن رثاءً عابرًا، بل شهادةً على ما تركته فينا، وعلى عهدٍ ظننّاه يومها أمانةً لا يطاولها النسيان.

نعيد نشره اليوم لا لنستعيد لحظة الفقد، بل لنقيس المسافة بين ما قلناه يومها وما فعلناه منذ ذلك الحين،بين إرثٍ حملته إلينا الشهادة، وأمانةٍ كان علينا أن نحفظها بالفعل قبل القول.

لن نسمح لأنفسنا بارتكاب إثم الوداع لقائدٍ لا تنتهي ذكراه بانتهاء مراسم الوداع، ولن نذرف الدموع، حتى لو انثلمت في أعماقنا كل الجوارح. فأنت الحاضر في وجداننا أبداً، الساكن في القلوب قبل الحدقات. لن نرثيك ولن نبكيك، وأنت المتربع على عرش الشهادة، شهادة الدم التي هي أضوأ الشهادات.

هنيئاً لك ارتقاؤك فوق أديم الأرض، وأنت الذي زرعت فيها بذوراً خصبة، برعمت أزهاراً وأينعت ثماراً حُبلى بالكرامة والانتصارات.

أيها السيد المنذور للعطاء، المنكّه بطعم الوعود الصادقة، يفتقدك اليوم شعبك الوفي، إذ يبصر قافلةً من العبيد القاصرين الذين باعوا أوطانهم وشرفهم للصهاينة بثلاثين من الفضة، وهم دونها ثمناً. أنت الراية المرفوعة أبداً، والنبراس المضيء بإرث المقاومة الهدّار، دماً ونبلاً، وفعلاً يسمو على الشعارات ويقزّم المزايدات.

بالصدق جبلتَ الملحمة المظفّرة، فكنت أميناً على الدماء حين عزّت الوقفات. وكم تقاطعت في ضمائرنا خصالك القدوة بخصال زعيمنا الفادي وفكره الهادي، فأيقنّا أنك تجسّد، بالفكر المقاوم والساعد المقاوم، منظومةً من القيم الطافحة بالحق والخير والجمال.

لكن بعد سنتين، لا نستطيع أن نستعيد ذكراك من دون أن نقف أمام المرآة. فالسؤال لم يعد: ماذا تركت لنا؟ بل: ماذا فعلنا بما تركت؟

تركت إرثاً من الصدق والفداء والمقاومة، وأمانةً لا تحفظها الكلمات ولا تصونها الصور. وما وصلنا إليه اليوم لم يصنعه غيابك وحده،فقد تسلّل إلى صفوفنا ما لم يكن من روحك، حين استُبدل الحوار بالتخوين، والشورى بالوصاية، والمسؤولية بحب السلطة، وخدمة الجماعة بالتسلّط عليها. وحين صار الاختلاف تهمة، والنقد خروجاً، والصوت الآخر خصماً، بدأنا نهدر في الداخل ما كنا نقاوم من أجله في الخارج.

ولعل أقسى ما في الذكرى أن نكتشف أن بعض ما أصابنا لم يكن قدراً مفروضاً علينا، بل ثمرة ما فرّطنا به نحن،حين غلبت الرغبة في الإمساك بالقرار على واجب صون الجماعة، وحين صار القائد يُقاس بقدرته على إحكام القبضة، لا بقدرته على فتح الطريق أمام الكفاءة والرأي والشورى.

فإرثك لم يكن سلطةً تُمسك، بل أمانةً تُصان، ولم تكن القيادة عندك امتيازاً فوق الجماعة، بل تضحيةً من أجل بقائها. وما أخطر أن نرفع رايتك بأيدينا، ثم نبتعد عن القيم التي رفعتها أنت بدمك.

ولذلك، فإن الوفاء لك ولكل الشهداء العظام قبلك، وبعد سنتين، ليس أن نكثر من الكلام عنهم، بل أن نجرؤ على الكلام فينا،أن نستعيد للشورى مكانها، وللنقد حرمته، وللاختلاف حقه، وأن ندرك أن الجماعة لا يحفظها التسلّط عليها، بل التضحية من أجل وحدتها.

فالثبات لا تصنعه كثرة التمثيل، ولا اعتراف الآخرين،تصنعه القناعة والتربية وتاريخ من الصراع، وإيمان بقضية تساوي الوجود. ومن يطلب الثبات بإسكات السؤال، لا يحمي القناعة بل يحاصرها،ومن يخشى الرأي الآخر، لا يصون الوحدة بل يفرغها من معناها.

إن التضحية بالذات من أجل حفظ روح الجماعة شرفٌ لا يوازيه شرف، أما التضحية بالجماعة من أجل الذات، أو من أجل البقاء في موقع القرار، فأنانيةٌ جوفاء، مهما تزيّنت بالشعارات ومهما احتمت باسم الوفاء.

نعم، نكظم غيظنا ونفعّل قوتنا، فبهما، وبالتقدم المادي والروحي، سيغيّر شعبنا الحي وجه التاريخ، إلى جانب كل المقاومين الشرفاء، رغم كثير من العناء الذي ينتظرنا، ولكن دون ملل ولا كلل.

قال الشاعر الشهيد كمال خير بك:

«إن قطعوا مني يميني

أسرعت لتعيد ملحمة النضال يساري».

وستبقى قبضاتنا مرفوعة حتى التحرير الكامل، لأن بوصلتنا دماء الشهداء، ولأن أعراس الفداء ليست ذكرى تُروى، بل طريقٌ يُستكمل.

سلام عليك، يا من ارتقيت عن أديم الأرض ولم ترحل منها،بقيت في وجداننا رايةً، وفي ضمائرنا سؤالاً، وفي أعناقنا أمانة.

وبعد سنتين، لعل أصدق الوفاء لك ولمن سبقك أن نعيد إلى إرثكم ما أخذته منه أيدينا، وأن نردّ إلى الشورى مكانتها، وإلى النقد حرمته، وإلى التضحية معناها، وأن نجعل من شهادتكم حياةً فينا، لا ذكرى تنتهي بانتهاء الاحتفال بها.

فالشهداء لا يحتاجون إلى من يرثيهم،يحتاجون إلى من يحمل ما استشهدوا من أجله.

وهنا يبدأ الوفاء الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى