أديان
الكاهن الذي حضر ليلة اعدام انطون سعادة

كتب : سعيد تقي الدين
وجدت نفسي أمام ضباط من الجيش يطلبون إلي أن أرتدي ملابسي وأحمل صليبي وعدة الكهنوت بسرعة . قلت : ما الخبر ؟ أجابوا : سنعدم انطون سعادة هذه الليلة . ونريد أن تُّعرّفه وتقوم بمراسم الدين قبل إعدامه . قلت : إن أمراً كهذا لا يسعني أن أفعله ، آتوني بإذن من سيادة المطران ، هكذا ينص قانونناً الكنائسي . قالوا : ليس لدينا من وقت ، إفعل هذا على مسؤوليتنا نحن .
فاعتذرت من جديد . وراحوا يلحون عليّ مرددين أن خرق النظام الكنائسي هو أقل ضرراً من أن يرسل مسيحي إلى الموت غير متمم واجباته الدينية . وأخيراً أذعنت بكثير من التردد والحيرة ، وركبت سيارتهم في طرقات تعج برجال الأمن من جنود وبوليس ودرك وأسلحة مشرعة ، وأطللنا على سجن الرمل ، فإذا هو منار من الداخل والخارج ، ونزلنا حيث كان ضباط آخرون بانتظارنا . وأقبل عليّ مدير السجن يعرفني إلى نفسه ، وأخبرني أن هذا هو الإعدام الثالث عشر الذي مر به ، وأن الأمر بسيط فأجبته : “لقد مضى عليً ثلاث عشرة سنة في الثوب الكهنوتي، وهذا أول إعدام سأشهده” وكان الطبيب الذي اشترك معنا في الحديث مثلي ، لم يشهد إعداماً في ما مضى . وزاد مدير السجن فقال : إن هذا (المحكوم الخائن أنطون هو رجل خائن )(، وكافر ملحد يبشر بالكفر والإلحاد )، إنه لن يأبه لك يا أبانا هذا الخائن الملحد الكافر . ودخلنا حيث كان الزعيم ، في حبس من الغلو نعته أنه غرفة ، فوجدناه مفترشاً بساطاً من قذارة ورقع ، وكان هذا الفراش أقصر من قامته ، فجعل من جاكيته وصلة بين الفراش والحائط كي لا ترتطم به قدماه .
وكان نائماً نوماً طبيعياً ، ورأسه على ذراعه اليسرى التي جعل منها بديلاً عن مخدة لم تكن هناك . وأيقظناه فنهض حالاً ، وبادرنا السلام ، وخصني بقوله : “أهلاً وسهلاً يا محترم” فأبلغناه أنه لم يصدر عنه عفو وأن الإعدام سينفذ به حالاً . فشكرنا باسماً رزيناً ، واستأذن بلبس جاكيته التي كانت مطوية تحت قدميه ، فأذنوا له ، فشكرهم من جديد ، ولبسها . وخلوت به ، وسألته إن كان يود أن يقوم بواجباته الدينية ، فأجاب : لم لا ؟ وطلبت إليه أن يعترف ، فأجاب : ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها ، أنا لم أسرق ، لم أدجل ، لم أشهد بالزور ، لم أقتل ، لم أخدع ، لم أسبب تعاسة لأحد . وبعد أن فرغت من المراسيم الدينية ، تركنا الغرفة فكبلوا يديه ، وخرجنا إلى مكتب السجن . هناك طلب أن يرى زوجته وبناته ، فقيل له ذلك غير ممكن ، وقدموا له ترويقة فاعتذر شاكراً ، ولكنه قبل فنجان القهوة متناولاً إياه بيمناه وأسنده بيسراه ، وكانت تسمع للقيد رنات كلما ارتطم بالفنجان . وكان الزعيم يبتسم صامتاً هادئاً مجيلاً عينيه من وجه إلى وجه وكأنه يودعنا مهدئاً من روعنا . هنا انفجرت أنا بالبكاء ، وبكي معي بعض الضباط ، بل أن أحدهم أجهش وانتحب . وبعد أن شرب القهوة ، عاد يصر على لقاء زوجته وبناته ، فسمع الجواب السابق .
وسئل لمن يريد أن يترك الاربعماية ليرة ليرة التي وجدت معه ، فأجاب أنها وقطعة أرض في ضهور الشوير هي كل ما يملك ، وهو يوصي بها لزوجته وبناته بالتساوي . وطلب مقابلة الصحافيين ، فأخبروه أن ذلك مستحيل ، فسألهم ورقة وقلماً ، فرفضوا ، فقال : إن لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ . فصرخ به أحد الضباط منذراً : “حذار أن تتهجم على أحد ، لئلا نمس كرامتك” فابتسم الزعيم من جديد وقال : أنت لا تقدر أن تمس كرامتي ، ما أعطي لأحد أن يهين أنت لا تقدر أن تمس كرامتي ، ما أعطي لأحد أن يهين سواه ، قد يهين المرء نفسه ،وأردف يكرر : “لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ ، وأن يسجلها التاريخ” . فسكتنا جميعاً ، في صمت يلمس سكونه ويسمع دويه . أصارحك أنني كنت في دوار من الخبل ، ومن المؤكد أنني لا أعي كل ما سمعت ، ولكن الراهن أني سمعته ، سمعته يقول : “أنا لا يهمني كيف أموت ، بل من أجل ماذا أموت . لا أعد السنين التي عشتها ، بل الأعمال التي نفذتها . هذه الليلة سيعدمونني ، أما أبناء عقيدتي فسينتصرون وسيجيء انتصارهم انتقاماً لموتي ، كلنا نموت ، ولكن قليلين منا يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة . يا خجل هذه الليلة من التاريخ ، من أحفادنا ، من مغتربينا ، ومن الأجانب ، يبدو أن الاستقلال الذي سقيناه بدمائنا يوم غرسناه ، يستسقي عروقنا من جديد” .
ومشينا إلى حيث انتظرنا السيارات ، والزعيم ماش بخطى هادئة قوية يبتسم ، إنه لم ينفعل ، كأن الإعدام شيء نفذ به مرات عديدة من قبل . إنه لم ينفجر حنقاً أو تشفياً . أنه لم يتبجح شأن من يستر الخوف. في تلك اللحظة وددت لو خبأته بجبتي ، لو تمكنت من إخفائه في قلبي أو بين وريقات إنجيلي . إن عظامي لترتجف كلما ذكرته . وحين خرجت إلى الباحة رأيت إلى يميني تابوتاً من خشب . من خشب الشوح لم يخف الليل بياضه. وتطلع الزعيم إلى نعشه فلم تتغير ملامحه ولا ابتسامته . وقبل أن يرقى الجيب ، طلب للمرة الثالثة والأخيرة أن يرى زوجته وأولاده .
وللمرة الثالثة والأخيرة ، سمع الجواب نفسه . فتبينت ملامحه ، وفي تلك اللمحة العابرة فقط من عمر ذلك الليل لمحت وميض العاطفة خلال زوبعة الرجولة . وسارت الجيب بالزعيم يحف به الضباط وخلفه تابوته ، وقافلة سيارات وشاحنات من ورائه وأمامه ملأى بالجنود المسلحة . ولعل مساً من البله اعتراني ، فبدا لي أن تنفيذ الإعدام سيؤجل ، أو أن عفواً سيصدر . سيطر عليّ هذا الوهم فخدرني ، حتى انحرفنا عن الطريق العامة إلى درب ضيقة بين كثبان . ووقفنا في فجوة بين الرمال كأنها فوهة العدم . وقفز من بينهم ، مكبلاً ، إلى عمود الموت المنتظر ، فاقتربوا منه ليعصبوا عينيه ، فسألهم أن يبقوه طليق النظر ، فقيل له : القانون . أجاب إنني أحترم القانون . وأركعوه وشدوا وثاقه إلى العمود . وكأن الحصى آلمته تحت ركبته فسألهم إن كان من الممكن إزالة الحصى ، فأزالوها ، فقال لهم : ” شكراً ” ، ” شكراً ” ، رددها مرتين ، وقطع ثالثتها الرصاص . فإذا بالزعيم وقد تدلى رأسه وتطايرت رئته ، وتناثرت ذراعه اليسرى فلم يعد يصل الكف بالكتف إلا جلدة تتهدل . وكوموا الجثة في التابوت ، وتسارعت القافلة نحو المقبرة ، وهناك كادوا يدفنونها من غير صلاة لو لم يتعال صياحي . أخيراً قالوا لي : “صل ، إنما أسرع ، أسرع ، صل من قريب” . ودخلنا الكنيسة ، ووضعنا التابوت على المذبح ، ورحت أصلي ، والدم يتقطر من شقوق الخشب ، ويتساقط على أرض الكنيسة نقاطاً نقاطاً ، ليتجمع ويتجمع ثم يسيل تحت المذبح . وخرجنا من المعبد ، ووقفت أمام بابه أواجه الفجر الذي أطل وأناجي الله ، وأسمع رنين الرفوش ترتطم بالحصى وتهيل التراب ، وترتطم بالحصى وتهيل التراب” .
بذاك حدثني الكاهن الذي عرّفه . أقول لك أن تراب الدنيا لم يطمر تلك الحفرة . أقول لك أن رنين الرفوش في ذلك الفجر سيبقى النفير الداوي ليقظة هذه الأمة . أقول لك أن منارة الحياة قد ارتفعت على فوهة العدم .




