
وقّع الرئيس وليد جنبلاط مذكراته “قدر في هذا المشرق”، خلال حفل تخلله حوار تناول فيه أبرز المحطات التي وثقها في الكتاب، إلى جانب قراءته للمرحلة الراهنة في لبنان والمنطقة، ومواقف من العلاقة مع سوريا و”حزب الله” وإسرائيل، وصولاً إلى تجربته السياسية وانتقال المسؤولية إلى نجله النائب تيمور جنبلاط.
وأوضح جنبلاط أنه بدأ العمل على مذكراته قبل نحو ثلاث سنوات، وأملاها على الكاتب والباحث الفرنسي سيباستيان دي كورتوا، بمساعدة مروان حمادة وغازي العريضي ونورا جنبلاط، محاولاً استعادة ما أمكن من ذكريات نحو خمسين عاماً، لافتاً إلى أنه قرر إنهاء الكتاب عند اتفاق الطائف، إذ “لا يمكن وضع كل شيء، كما أن عدد الصفحات محدود”.
وعن مسيرته السياسية، قال: “عندما استشهد كمال جنبلاط وتسلّمت العمل السياسي والحزب، كنت أقول إننا لا نزال في أول الطريق، واليوم بعد نحو خمسين عاماً لا نزال في أول الطريق، والطريق صعب جداً ومليء بالمخاطر”.
وتوقف عند الاختلاف بين تجربته وتجربتي والده ونجله، قائلاً: “أنا لم أكن كمال جنبلاط، وابني لن يكون وليد جنبلاط”، موضحاً أن كمال جنبلاط أراد إخراج الدروز من الحيز الطائفي الضيق إلى تحالف عربي عريض، فيما كان من أبرز هواجسه خلال الحرب إخراجهم من أتونها.
وأكد أن تيمور جنبلاط تسلّم المسؤولية منذ سنوات، لكنه اضطر إلى العودة للقيام بدور أكبر بفعل حرب غزة وتداعياتها على لبنان، مشيراً إلى أنه يتعاون مع تيمور في مواجهة الظروف الحالية.
وفي الشأن الداخلي، شدد جنبلاط على ضرورة الحوار مع “حزب الله”، معتبراً أن مقاتليه “أتوا من لبنان، من الجنوب والبقاع، وهم ليسوا غرباء”. وحذر من العودة إلى النظريات الانعزالية في التعامل مع مكونات المجتمع اللبناني.
وعن العلاقة مع سوريا، دعا إلى تحسين العلاقات بين البلدين “من دولة إلى دولة”، مؤكداً أن “تحسين علاقتنا مع سوريا وتمتينها مفيد جداً لتمتين الوحدة الوطنية في لبنان”. وشدد في الوقت نفسه على رفض أن يكون لبنان ملحقاً بسوريا.
وفي ما يتعلق بإسرائيل والمسار التفاوضي، جدد جنبلاط تأييده مبدأ التفاوض، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسيط، لكنه رأى أن لبنان ذهب إلى المفاوضات “بورقة ضعيفة”، وأنه كان يجب التمسك بالاتفاقيات القائمة وفي مقدمها اتفاق الهدنة.
وحذر من أن ما يجري في الجنوب يتجاوز العمليات العسكرية، قائلاً إن “ما نشهده هذه المرة تدمير منهجي للبيت والحجر والتراث والمقابر، وكأن المطلوب مصادرة تراث الجنوبي واللبناني وذاكرته”.
كما تحدث عن خشيته من التطبيع وانعكاساته على الثوابت اللبنانية، مذكراً بأن عقيدة الجيش حددت هوية العدو. وتساءل عن مصير هذه العقيدة في حال الوصول إلى مسار تطبيع مع إسرائيل؟
وفي قراءته لإسرائيل، قال جنبلاط إن دراسته للنصوص التوراتية بمساعدة البروفيسور توماس رومر أتاحت له قراءة جانب من الخطاب الإسرائيلي الحالي، معتبراً أن هناك “منطقاً توراتياً افتراضياً” يحضر في الحكم في إسرائيل، إلى جانب تأثير تيار الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة.
وعن الولايات المتحدة، أكد أن إسرائيل وأميركا حليفتان ومتداخلتان فكرياً وسياسياً وعسكرياً، لكنه أشار إلى أن الضغط الأميركي على إسرائيل يبقى ممكناً، مستحضراً ما جرى خلال أزمة السويس عام 1956.
وفي معرض حديثه عن إرث والده، رأى أن كمال جنبلاط آمن “بالصورة الكبرى القائمة على التعدد الديمقراطي في المنطقة”، وكان متمسكاً باستقلال لبنان وتطوير نظامه نحو نظام ديمقراطي علماني، إلى جانب انتمائه العربي وعلاقته بجمال عبد الناصر.
كما استعاد المصالحة التاريخية في الجبل، معتبراً أن المصالحة الوطنية التي بناها مع البطريرك الراحل نصرالله صفير تشكل محطة مرجعية ينبغي الحفاظ عليها مهما كانت الظروف، مع التمسك بالهوية العربية والحق الفلسطيني. وقال: “الحق الفلسطيني أساس للحق العربي”.
وعن مضمون مذكراته وطبيعة الرواية التي يقدمها، شدد جنبلاط على أن ما كتبه لا يمثل حقيقة نهائية، قائلاً: “كل ما ورد في الكتاب هو وجهة نظر وليس مقدساً، ولكل شخص سرديته ووجهة نظره”.
وفي ختام قراءته للمشهد الراهن، دعا إلى عدم تحميل لبنان أدواراً تتجاوز قدرته وسط التحولات والتحالفات الإقليمية الكبرى، قائلاً: “لنبقَ على قدرنا في لبنان”، والعمل على تقوية الوحدة الوطنية والحوار وتحسين العلاقة مع سوريا. ونبّه على أن المنطقة تتجه إلى مرحلة شديدة الخطورة وأن العرب قد يدفعون “الثمن الأكبر”.
الأنباء




