📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

حزب القوات اللبنانية من بشير إلى سمير . كيف اصبح جعجع قائدا للقوات وهل يمكن ان يصل الى رئاسة الجمهورية ؟

كيف وُلدت القوات اللبنانية؟

القوات اللبنانية التي يعرفها اللبنانيون اليوم ليست في الشكل التنظيمي والسياسي نفسه تلك التي ظهرت في منتصف الحرب الأهلية، وإن كانت تستند إلى إرثها التاريخي وتعتبر نفسها امتدادًا سياسيًا لذلك المشروع.

ظهرت القوات اللبنانية عام 1976 في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، في إطار محاولة لتوحيد القوى العسكرية المسيحية التي كانت موزعة بين أحزاب وتنظيمات عدة، أبرزها الكتائب اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار وحراس الأرز وغيرها. وكان بشير الجميل الشخصية الأبرز في عملية توحيد هذه القوى، قبل أن تتحول القوات تدريجيًا إلى قوة عسكرية كبيرة ذات نفوذ واسع في المناطق المسيحية.

في بدايتها لم تكن القوات حزبًا سياسيًا بالمعنى المعروف اليوم، بل كانت إطارًا عسكريًا يجمع قوى وأحزابًا مسيحية في مواجهة التنظيمات الفلسطينية والقوى اللبنانية المتحالفة معها. ومع مرور الوقت، نجح بشير الجميل في تعزيز سيطرته على القوات وتوحيد البندقية المسيحية إلى حد كبير، وأصبحت القوات القوة العسكرية الأبرز في المنطقة الشرقية.وذلك بعد صراع دام مع تنظيمات مسيحية مسلحة كانت تلعب على نفس الساحة فعلى سبيل المثال خاض بشير الجميل حرب استئصال ضد ما يسمى نمور حزب الوطنيين الأحرار وقتل منهم عددا كبيرا في منطقة الصفرا وعدد القتلى يختلف بين مصدر واخر فهناك من تحدث عن 80 قتيل وهناك من يرفع العدد الى 140 قتيل .

في عام 1980 اكتمل إلى حد بعيد مشروع توحيد القوى العسكرية المسيحية تحت قيادتها. كان صعود بشير الجميل سريعًا ومثيرًا للجدل في آن واحد. فقد أصبح الرجل قائدًا عسكريًا وسياسيًا يتمتع بشعبية واسعة داخل البيئة المسيحية، وفي الوقت نفسه دخل في صراعات عسكرية وسياسية قاسية مع خصوم لبنانيين وفلسطينيين وسوريين. كما ارتبطت القوات خلال تلك المرحلة بعلاقة تعاون عسكري مع إسرائيل، وهي إحدى أكثر صفحات تاريخها حساسية بالنسبة إلى خصومها.

بلغ مشروع بشير ذروته عندما انتُخب رئيسًا للجمهورية اللبنانية في 23 آب 1982، بعد الاجتياح الإسرائيلي ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت. لكن مشروعه لم يعمر طويلًا، إذ اغتيل في 14 أيلول من العام نفسه في انفجار استهدف مقر حزب الكتائب في الأشرفية، بعد أسابيع قليلة من انتخابه.

بعد اغتيال بشير الجميل، دخلت القوات اللبنانية مرحلة مختلفة تمامًا. فقد اختفى القائد الذي كان قادرًا على ضبط الخلافات بين أجنحتها، وأصبح على القادة الموجودين أن يقرروا بأنفسهم شكل القيادة ومستقبل التنظيم.

تولى فادي أفرام قيادة القوات في المرحلة الأولى بعد بشير، وهو أمر له دلالة كبيرة لأن أفرام كان من الرجال الذين اختارهم بشير نفسه في آخر أيامه كنائب له . لكن الظروف التي كانت تعيشها القوات والمنطقة الشرقية لم تسمح له بتحويل هذا الموقع إلى زعامة مستقرة طويلة الأمد.
انتقلت القيادة لاحقًا إلى فؤاد أبو ناضر، وهو شخصية ذات صلة وثيقة بآل الجميل وبالمؤسسة الكتائبية. كان أبو ناضر من أبرز رجال بشير، كما أن موقعه العائلي والسياسي جعله أقرب إلى جناح أمين الجميل ورئاسة الجمهورية.
و هنا بدأت المشكلة.
لم يكن الخلاف مجرد خلاف على الأشخاص. كان هناك خلاف على هوية القوات نفسها.
كان هناك من يرى أن القوات يجب أن تبقى قوة مستقلة تمتلك قرارها السياسي والعسكري، بينما كان هناك اتجاه يريد إعادة ربطها بصورة أوثق بالكتائب ورئاسة الجمهورية والدولة. وكان جعجع من أبرز الذين رفضوا تقليص استقلال القوات.

وصل الخلاف إلى الانفجار في آذار 1985، عندما وقعت الانتفاضة التي أطاحت بأبو ناضر وحصلت مواجهة بين الطرفين وهناك روايات تتحدث عن سقوط عدد كبير من الضحايا والجرحى والأسرى من حزب الكتائب نتيجة المواجهة في منطقة نهر ابراهيم . وكان جعجع وإيلي حبيقة وكريم بقرادوني من أبرز المشاركين في المعادلة التي أسقطت القيادة القائمة.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات تاريخ القوات: جعجع وحبيقة كانا حليفين في مواجهة القيادة السابقة، قبل أن يتحولا بعد أشهر إلى خصمين لدودين.
كان حبيقة في ذلك الوقت شخصية عسكرية قوية، وله نفوذ واسع داخل القوات. وبعد إقصاء أبو ناضر أصبح حبيقة وجعجع من أبرز أقطاب القوة الجديدة.
لكن تحالفهما لم يكن قائمًا على مشروع سياسي واحد.
كان جعجع يميل إلى إبقاء القوات مستقلة ورافضة للخضوع للقرار السوري، بينما أخذ حبيقة يتحرك باتجاه تسوية مع سوريا والقوى اللبنانية الأخرى.
بلغ هذا المسار ذروته في الاتفاق الثلاثي عام 1985، الذي جمع ايلي حبيقة مع نبيه بري ووليد جنبلاط برعاية سورية. بالنسبة إلى حبيقة كان الاتفاق محاولة للخروج من الحرب عبر تسوية سياسية. أما بالنسبة إلى جعجع وأنصاره فكان يمثل تنازلًا خطيرًا عن استقلال القرار القواتي والمسيحي.
وهكذا انهار التحالف بين الرجلين.
في كانون الثاني 1986 وقعت المواجهة الحاسمة. تحرك جعجع ضد مواقع حبيقة في المنطقة الشرقية، وانتهت المعركة بخروج حبيقة من هذه المنطقة وانتقاله لاحقًا إلى المعسكر السياسي المتحالف مع سوريا. وكانت من نتجة معارك جعجع وحبيقة ان سقط في المنطقة الشرقية لبيروت حسب مصادر صحفية حوالي 800 قتيل ما عدى الجرحى والأسرى من جماعة حبيقة .

بعد خروج حبيقة لم يعد هناك داخل القوات منافس عسكري يملك القوة نفسها. وأصبح جعجع القائد الأقوى والأكثر قدرة على فرض القرار.
وهكذا لم يرث جعجع القوات من بشير بطريقة مباشرة.

جعجع لم يكن ابن عائلة سياسية ولا وريثًا مباشرًا لزعامة حزبية. كان صعوده قائمًا على العمل العسكري والتنظيمي. انضم إلى الكتائب، ثم تدرج داخل جهازها العسكري، وبرز في صفوف القوات التي كانت تتشكل حول بشير. وكانت معركة إهدن عام 1978 إحدى المحطات الأكثر شهرة في مسيرته المبكرة، حيث أصيب جعجع إصابة بالغة وكاد أن يفقد حياته.

لكن العلاقة بين بشير وجعجع تحتاج إلى قراءة هادئة بعيدًا عن الروايات التي ظهرت لاحقًا. كان جعجع من القادة العسكريين الذين وثق بهم بشير، لكن لا يوجد ما يثبت أن بشير كان قد اختاره خليفة سياسيًا له. فبشير كان يحتفظ بقرار القيادة في يده، وكان يتعامل مع عدد كبير من القادة باعتبارهم أجزاء من منظومة واحدة.
ومع مرور السنوات أصبح جعجع أحد أبرز القادة الميدانيين، خصوصًا في الشمال. وهناك بنى شبكة من العلاقات العسكرية والولاءات التي ساعدته لاحقًا في لعب دور أكبر بكثير من حجمه الأول داخل التنظيم.

يمكن تقسيم مسيرة جعجع العسكرية بهذه الصورة:

قبل القيادة (1976–1986): شارك او قاد معارك متعددة في الكورة وشكا وفي اهدن وفي قنات وفي زحلة والشوف وعاليه واقليم الخروب وشرق صيدا وفي الصراع الداخلي مع فؤاد ابو ناضر وفي الصراع مع ايلي حبيقة

بعد القيادة (1986–1990): معارك تثبيت زعامته للقوات ومواجهة ايلي حبيقة , ثم تعاونه مع ميشال عون ضد السوريين ثم خوضه حربا مع ميشال عون .

في نهاية الحرب اللبنانية، دخلت القوات في مواجهة مع الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون خلال ما عُرف بحرب الإلغاء عامي 1989 و1990. وبعد انتهاء الحرب وتطبيق اتفاق الطائف، انتهى عمليًا الدور العسكري للقوات، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من البندقية إلى العمل السياسي. لكن هذا الانتقال لم يكن سلسًا. ففي عام 1994 حُلّت القوات اللبنانية واعتُقل سمير جعجع، وبقي في السجن حتى عام 2005. وتعتبر القوات أن تلك المرحلة كانت جزءًا من سياسة التضييق التي مارستها السلطات اللبنانية في ظل النفوذ السوري، بينما يرى خصومها أن الملفات القضائية التي أُدين فيها جعجع كانت جزءًا من الحسابات السياسية والعسكرية لتلك المرحلة. لذلك فإن قراءة هذه الفترة تختلف جذريًا بحسب الموقع السياسي للقارئ.

لا يمكن ان نتحدث عن سمير جعجع دون ان نغفل الحديث عن علاقته بحزب الكتائب اللبنانية وبآل الجميل .
فعندما أصبح سمير جعجع القائد الفعلي للقوات اللبنانية عام 1986، كان قد قطع شوطًا طويلًا من موقع القائد الميداني في الشمال إلى موقع الرجل الأقوى في التنظيم.
لكن انتصاره لم ينهِ المشكلة القديمة: علاقة القوات بحزب الكتائب وآل الجميل.
فالقوات خرجت تاريخيًا من رحم الكتائب، وكان بشير الجميل نفسه كتائبيًا. لكن القوات التي بناها بشير أصبحت مع الوقت تنظيمًا أوسع من الحزب، يضم شخصيات ومقاتلين من خلفيات سياسية مختلفة.
وهنا ظهرت مفارقة تاريخية. الكتائب كانت الأصل، لكن القوات أصبحت القوة الأكبر.
ولهذا لم تكن علاقة جعجع بالجميل علاقة عداء دائم، كما أنها لم تكن علاقة ولاء دائم. كانت علاقة تتغير وفق ميزان القوى والمصالح. مع أمين الجميل تحديدًا، كان الخلاف حادًا في مراحل، والتعاون ممكنًا في مراحل أخرى.
كان أمين الجميل  رئيسًا للجمهورية، وكان ينظر إلى الدولة والكتائب من موقع سياسي مختلف عن جعجع الذي كان يقود قوة عسكرية مستقلة. وفي عام 1985 وصل الخلاف إلى درجة طرد جعجع من حزب الكتائب على خلفية الخلاف حول وضع القوات وحاجز البربارة، ثم جاءت انتفاضة آذار لتؤكد انفصال القوة العسكرية عن القيادة الكتائبية. لكن بعد أشهر فقط تغير المشهد .

عندما أصبح حبيقة حليفًا لسوريا ووقع الاتفاق الثلاثي، وجد جعجع وأمين الجميل نفسيهما في الجانب نفسه في مواجهة حبيقة. وساعد هذا التقاطع على إسقاط حبيقة وإخراجه من المنطقة الشرقية.
وهذه الواقعة وحدها تكفي لإثبات أن العلاقة بين جعجع وآل الجميل لا يمكن اختصارها بعبارة «خصومة».
كانت هناك صراعات، لكن كانت هناك أيضًا مصالح مشتركة وتحالفات ظرفية.
أما مع بشير، فكانت الصورة أكثر تعقيدًا. فقد بقي جعجع يقدم نفسه باعتباره أحد حراس المشروع الذي أسسه بشير، خصوصًا في ما يتعلق باستقلال القرار ورفض إخضاع القوات لسوريا. وفي المقابل، ظل بعض خصومه يعتبرون أن جعجع استعمل إرث بشير لتثبيت زعامته الشخصية.

جعجع كان بالفعل قريبًا من مشروع بشير العسكري، وكان بالفعل أحد أبرز قادته، لكنه لم يكن خليفته المعيّن. وعندما وصل إلى القيادة، أعاد تفسير إرث بشير بما يتلاءم مع مشروعه السياسي الخاص.

ما قضية حاجز البربارة التي كانت سببا لخلاف بين حزب الكتائب وسمير جعجع ؟

أُنشئ حاجز البربارة في 22 نيسان 1979 على طريق بيروت–طرابلس. ومع تطور تنظيم القوات اللبنانية، أصبح الحاجز ضمن نطاق جبهة الشمال التي كان سمير جعجع مسؤولاً عسكرياً عنها. حاجز البربارة متهم باعتقال وقتل واخفاء عدد كبير من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين ولا توجد احصائية دقيقة لعدد ضحايا هذا الحاجز ولكن هناك شهادات وبعض اسماء معروفة اختطفوا على هذا الحاجز ولم يعرف مصيرهم حتى اليوم . ومن ضمن المختطفين الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين فقد اثرهم اثناء مرورهم على هذا الحاجز وحتى اليوم تختلف الروايات عن مصيرهم بين قائل انهم قتلوا وبين قائل انهم اعتقلوا وسلموا لإسرائيل .

كان الحاجز على الطريق الساحلي بين بيروت وطرابلس، عند مدخل المنطقة التي كانت تسيطر عليها القوات اللبنانية. وكان يتألف عملياً من جانب أمني وجانب مالي/ضريبي، حيث كانت تُجبى مبالغ من  العابرين والشاحنات والبضائع.

وتشير دراسة عن اقتصاد الميليشيات اللبنانية إلى أن القوات اللبنانية كانت تفرض على البضائع العابرة من حاجز البربارة رسوماً تقارب 2% من قيمة البضاعة، وقدّرت إيرادات الحاجز في تلك الفترة بنحو 10 إلى 15 مليون ليرة لبنانية شهرياً.

أمين الجميل كان يحاول التفاوض مع دمشق والوصول إلى تسوية سياسية وأمنية. أما جعجع والجناح المتشدد في القوات فكانوا ينظرون إلى تقارب الجميل مع سوريا باعتباره تنازلاً خطيراً للنفوذ السوري.

في 11 آذار 1985 قرر المكتب السياسي لحزب الكتائب طرد جعجع من الحزب بسبب رفضه إزالة الحاجز.

وفي اليوم التالي، 12 آذار، تحرك جعجع عسكرياً من منطقة جبيل باتجاه بيروت، بالتحالف مع إيلي حبيقة وكريم بقرادوني، وسيطر المتمردون على مواقع للقوات اللبنانية في المنطقة الشرقية. وهكذا تحول الخلاف حول البربارة إلى انتفاضة عسكرية ضد القيادة الكتائبية.

كان عام 2005 نقطة تحول جديدة. فخروج الجيش السوري من لبنان وإطلاق سراح سمير جعجع أعادا القوات إلى الحياة السياسية بقوة. وانخرطت في تحالف 14 آذار، وأصبحت من أبرز القوى المسيحية المناهضة للنفوذ السوري، إلى جانب تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وقوى وشخصيات أخرى. وفي الانتخابات النيابية التي تلت انتفاضة الاستقلال، تمكنت القوات من استعادة حضورها النيابي والسياسي. ومنذ ذلك الوقت عمل سمير جعجع على إعادة بناء القوات كحزب سياسي حديث، لا كتنظيم عسكري سابق. وفي عام 2012 أُعلنت شرعة حزب القوات اللبنانية، وترافق ذلك مع تطوير النظام الداخلي وفتح باب الانتساب، في خطوة عكست محاولة تثبيت صورة الحزب كمؤسسة سياسية منظمة تتجاوز شخصية القائد.

أما على المستوى السياسي، فقد تطورت القوات من مشروع يرتبط أساسًا بحماية الوجود المسيحي خلال الحرب إلى حزب يطرح نفسه اليوم كحزب لبناني سيادي، يؤكد على قيام الدولة واحتكارها للسلاح، ويرفض استمرار أي قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة. كما تبنت القوات خطابًا سياسيًا أكثر انفتاحًا على الدولة المدنية والمؤسسات والديمقراطية، مع بقاء هويتها المسيحية المارونية واضحة في تركيبتها الشعبية والسياسية.

وهنا نصل إلى السؤال الأساسي: هل القوات اللبنانية الحالية هي قوات بشير الجميل؟ ا

الجواب الأدق هو: هي امتداد تاريخي وسياسي لها، لكنها ليست نسخة عنها. القوات في عهد بشير كانت تنظيمًا عسكريًا نشأ في ظروف الحرب، وكانت الأولوية بالنسبة إليها هي السيطرة العسكرية وحماية المناطق المسيحية وفرض توازن قوة في مواجهة خصوم متعددين. أما القوات في عهد جعجع فهي حزب سياسي يعمل داخل المؤسسات الدستورية ويخوض الانتخابات ويشارك في الحياة النيابية والحكومية، وإن كان يحتفظ بإرث بشير ورمزيته داخل بيئته الشعبية. كذلك فإن شخصية بشير الجميل نفسها تختلف كثيرًا عن شخصية سمير جعجع. بشير كان مشروعه مرتبطًا بمرحلة الحرب وبناء قوة عسكرية مسيحية موحدة، بينما بنى جعجع مشروعه السياسي بعد الحرب على فكرة الدولة والسيادة ومواجهة النفوذ السوري ثم مواجهة سلاح حزب الله.

يرى خصومها أنها لا تزال أسيرة جزء من إرث الحرب وأن خطابها السيادي يخفي مشروعًا سياسيًا شديد الخصومة مع محور المقاومة.

من يريد معرفة مستقبل لبنان يمكنه ان يطرح سؤالا  هل يمكن أن تعود الحروب بين التنظيمات المسيحية؟
بعد عام 2005، دخلت القوات اللبنانية مرحلة جديدة. عاد جعجع إلى الحياة السياسية، لكن لبنان لم يعد لبنان الثمانينيات.
كان المطلوب من القوات أن تثبت قدرتها على العمل كحزب سياسي، لا كتنظيم عسكري. وأصبح جعجع واحدًا من أبرز الزعماء المسيحيين في لبنان، إلى جانب ميشال عون، وأمين الجميل، وسامي الجميل وغيرهم.
ومنذ ذلك الوقت تحولت المنافسة المسيحية من سؤال «من يملك البندقية؟» إلى سؤال «من يملك التمثيل الشعبي والسياسي؟».
وهنا دخلت القوات في مواجهة سياسية طويلة مع التيار الوطني الحر، قبل أن يتحول الطرفان في مرحلة معينة إلى حليفين في اتفاق معراب عام 2016، الذي أدى إلى انتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهورية.
لكن التحالف لم يصمد طويلًا، وعادت الخصومة بين الطرفين، بينما بقيت الكتائب لاعبًا مسيحيًا مستقلًا، وإن كان أصغر من القوات من حيث الحجم السياسي.
أما العلاقة بين جعجع وآل الجميل، فقد انتقلت هي الأخرى من صراع على البندقية إلى تنافس على الزعامة والتمثيل السياسي.
وهنا يمكن فهم القوات الحالية بصورة مختلفة عن القوات خلال الحرب.
الحزب اليوم ليس تنظيمًا عسكريًا معلنًا، وقوته الأساسية تكمن في الانتخابات والتنظيم الحزبي والتحالفات والوجود النيابي والشعبي. ولذلك فإن مقارنة قوته الحالية بقوة القوات العسكرية في الثمانينيات ستكون مقارنة بين عالمين مختلفين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، خصوصًا في ظل التوترات اللبنانية والإقليمية، هو: هل يمكن أن تعود المواجهة المسلحة إلى المناطق ذات الغالبية المسيحية؟
من حيث المبدأ، لا يمكن استبعاد أي سيناريو في بلد مثل لبنان إذا انهارت الدولة بالكامل. لكن عودة حرب مسيحية–مسيحية شاملة على نمط الثمانينيات تبدو بعيدة جدًا في الظروف الطبيعية.
لكن الخطر قد يظهر في حالة مختلفة، هي حالة  انهيار أمني شامل يضعف قدرة الدولة والجيش على ضبط المناطق.
عندها قد تعود ظاهرة الأمن الذاتي، وقد يبدأ كل حزب بحماية مناطقه ومراكزه. وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول الخلافات السياسية إلى احتكاكات أمنية.

وهنا يصبح السؤال عن القوات أكثر تعقيدًا.
هل يستطيع جعجع، إذا انهارت الدولة، أن يعيد بناء قوة عسكرية شبيهة بالقوات القديمة؟
من الناحية النظرية، يمتلك الحزب تنظيمًا وخبرة تاريخية وشبكة واسعة من الكوادر.
أما مسألة خلافة جعجع، فهي بدورها تفتح سؤالًا آخر.
جعجع بقي الشخصية المركزية في القوات طوال عقود، وأصبح الحزب مرتبطًا به بدرجة كبيرة. لكن كلما تقدم الزعيم في العمر يصبح السؤال عن الجيل الذي سيخلفه أكثر إلحاحًا.
وهنا تختلف القوات عن الكتائب القديمة. فالزعامة فيها لم تنتقل بصورة عائلية مباشرة، كما حدث في الكتائب بين آل الجميل. ولذلك فإن انتقال القيادة بعد جعجع، إذا حصل، سيكون اختبارًا حقيقيًا للحزب: هل يستطيع إنتاج قيادة جماعية جديدة؟ أم أن الحزب سيبقى مرتبطًا بشخصية مؤسسه السياسي الحالي؟
وهكذا نصل إلى نهاية القصة التي بدأت ببشير الجميل.
بشير بنى قوة عسكرية بهدف توحيد القرار المسيحي، لكنه قُتل قبل أن يستطيع تحويل مشروعه بالكامل إلى دولة.
جعجع كان أحد أبرز القادة الذين خرجوا من المؤسسة التي بناها بشير، لكنه لم يصبح قائدها إلا بعد صراعات داخلية طويلة مع رجال كانوا هم أيضًا جزءًا من إرث بشير.
تحالف مع حبيقة ضد أبو ناضر، ثم قاتل حبيقة.
اختلف مع أمين الجميل، ثم تعاون معه ضد حبيقة.
خرج من الكتائب، ثم أصبح قائد القوات.
قاد تنظيمًا عسكريًا، ثم دخل السجن بعد الحرب، ثم عاد ليقود حزبًا سياسيًا.
وهذه السلسلة تجعل اختزال سمير جعجع في صورة واحدة ظلمًا للتاريخ، سواء كانت الصورة بطولية أو شيطانية.
فالرجل كان قائدًا عسكريًا، ثم طرفًا في صراعات داخلية دامية، ثم زعيمًا لتنظيم مسيحي مسلح، ثم سجينًا سياسيًا، ثم رئيس حزب سياسي فاعل في النظام اللبناني.
أما القوات اللبنانية نفسها، فقد مرت بتحول أكبر:
من تجمع لفصائل مسلحة، إلى جيش مسيحي خلال الحرب، إلى قوة سياسية مستقلة عن الكتائب، ثم إلى حزب سياسي يخوض الانتخابات.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن المشروع الذي بدأ بالبندقية انتهى بصندوق الاقتراع.
أما إذا عاد لبنان يومًا إلى منطق السلاح، فلن يكون السؤال فقط: هل تستطيع القوات حمل البندقية من جديد؟
بل سيكون السؤال الأصعب:
هل يريد المسيحيون اللبنانيون أصلًا العودة إلى الزمن الذي خرجت منه القوات؟
وهنا، ربما يكون الجواب أهم من أي قدرة عسكرية يمكن أن يمتلكها جعجع أو خصومه.

وسيبقى لدينا سؤال لو طرحناه اليوم لن نجد جوابا دقيقا وهو متروك لقادم الأيام : هل يمكن ان ينطلق سمير جعجع من السجن الى قيادة القوات الى رئاسة الجمهورية وتربعه على كرسي الحكم في بعبدا ؟

في لبنان بلد المتغيرات كل شيئ ممكن ويبقى رهنا بالتطورات .

اعداد موقع قلم حر 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى