كتب الأستاذ محمد ايوب : وهْم موشي يائير وسردية الدّمار: قراءة نقدية في اقتصاديات الخراب والهروب إلى الأمام

تتوالى السرديات العبثية التي تطفو على السطح كلما واجه المشروع الفئوي مأزقاً حقيقياً أمام حجم التضحيات والخراب الهائل الذي لحق بالجنوب اللبناني وأهله. ولعل أبرز تجليات هذا السقوط الخطابي هو الالتجاء إلى شخصيات وهمية واختلاق مقولات منسوبة لمصادر مزعومة – مثل المفكر الإسرائيلي المزعوم “موشي يائير” – لمحاولة تسويق مقولة إن “الدمار في الجنوب ليس سوى تفصيل صغير” مقارنةً بما يُسمى بـ “الانتصار”.
إن هذا الاستخفاف الفاضح بمعاناة مئات الآلاف من المهجرين، وتدمير مقومات حياتهم وأرزاقهم، لا يعكس سوى انفصال تام عن الواقع، وعجز فكري وبنيوي عن مواجهة الحقيقة المتمثلة في حجم الكارثة التي خلّفتها المغامرات غير محسوبة النتائج.
اقتصاديات الخراب وتغييب منطق الدولة
حين يتحول تدمير القرى والبلدات واقتلاع الناس من أرضهم إلى “تفصيل ثانوي”، فهذا يكرس ثقافة “اقتصاديات الخراب”، حيث يُنظر إلى البشر وممتلكاتهم كأرقام استهلاكية في معارك عبثية لا أفق لها. إن هذه الرؤية تعمد بشكل ممنهج إلى تغييب منطق الدولة والسيادة، وتهميش أي اعتبار للمؤسسات الشرعية التي تنحصر مهمتها دستورياً في حماية المواطنين والدفاع عن الوطن، لا في تحويله إلى ساحة اختبار لشعارات خاوية.
إن الارتكاز إلى مصادر وهمية وتبريرات مصطنعة يكشف الإفلاس السياسي للجهات التي رهنْت لبنان وأمنه لمصلحة أجندات إقليمية، بعيداً عن أي إجماع وطني حقيقي.
العودة إلى بوصلة السيادة والإعمار
لم يعد مسموحاً الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام وتصدير الأزمات على حساب كرامة المواطن اللبناني ولقمة عيشه. إن الأولوية الوطنية الملحة اليوم لا علاقة لها بالخطابات التعبوية المتهالكة، بل تلخصها عناوين واضحة لا غبار عليها:
العودة إلى كنف الدولة والشرعية: باعتبارها الحاضن الوحيد لجميع أبناء الوطن والمدافع الحقيقي عن حقوقهم.
وقف اقتصاديات الخراب ورفض التطبيع مع ثقافة الموت والدمار تحت أي ذريعة كانت.
أولوية الإعمار والعيش الكريم: وتوجيه الجهود كافة لإعادة بناء ما تهدم، وتأمين مقومات الصمود الحقيقي للناس في قراهم، بعيداً عن تجار الهياكل الانهيارية.
إن معركة بناء الدولة ورفض الاستخفاف بعقول اللبنانيين ومآسيهم هي المعركة الأبقى، وكل ما عدا ذلك ليس سوى أوهام تُكتب بحبر الخراب وتُساق على وقع الانهيار.
محمد ايوب



