
.
الكتابة
الأركيلة… أربعة قرون من الدخان والماء والحكايات
من الهند وإيران إلى قصور السلاطين ومقاهي لبنان… كيف تحولت النرجيلة من أداة تدخين إلى جزء من الذاكرة الشعبية؟
إذا كان لبعض الأشياء صوتٌ ورائحة وطقس، فالأركيلة واحدة منها.
يكفي أن تسمع صوت فقاعات الماء، أو ترى الجمر فوق رأسها، أو تشم رائحة التفاحتين والنعنع، حتى تستحضر في ذهنك جلسة قديمة في مقهى، أو سهرة مع الأصدقاء، أو مجلسًا عائليًا طويلًا.
الأركيلة، أو النرجيلة، أو الشيشة، أو القليان، ليست مجرد أداة لتدخين التبغ. عبر قرون طويلة أصبحت جزءًا من الحياة الاجتماعية في مناطق واسعة من آسيا والشرق الأوسط، ثم انتقلت في العصر الحديث إلى مختلف أنحاء العالم.
لكن من أين جاءت؟ ومن اخترعها؟ ولماذا أصبح الماء جزءًا منها؟ وكيف وصلت إلى بلاد الشام ولبنان؟ ومتى ظهر المعسل المنكّه الذي غيّر شكلها؟ وهل صحيح أن بعض السلاطين العثمانيين كانوا مولعين بها؟
هذه حكاية الأركيلة، من بداياتها الغامضة إلى أيامنا.
من اخترع الأركيلة؟
ربما تكون أول معلومة يجب تصحيحها هي أن الأركيلة لا تملك «مخترعًا» مثبتًا تاريخيًا بصورة قاطعة.
فالمتحف البريطاني يضع ظهور أنابيب الماء في بداية القرن السابع عشر تقريبًا، ويشير إلى أن أصلها يُنسب إلى الهند أو إيران.
أما منظمة الصحة العالمية فتذكر رواية تاريخية شهيرة تنسب تطوير أحد أشكالها الأولى إلى طبيب يُدعى حكيم أبو الفتح في الهند، خلال حكم الإمبراطور المغولي أكبر، الذي حكم بين 1556 و1605، وذلك في محاولة لجعل تدخين التبغ أقل ضررًا عبر تمرير الدخان في الماء. كما تشير إلى نموذج هندي مبكر كان يستخدم قشرة جوز الهند كوعاء للماء وأنبوبًا من الخيزران.
لكن هذه الرواية تبقى رواية تاريخية وليست شهادة نهائية على اختراع شخص واحد للأركيلة.
والأدق أن نقول إن الأركيلة تطورت في البيئة الآسيوية خلال الفترة التي انتشر فيها التبغ، ثم أخذت أشكالًا مختلفة مع انتقالها بين الهند وإيران والمناطق العثمانية والشرق الأوسط.
وهذا يجعل تاريخها أشبه برحلة طويلة أكثر منه اختراعًا حدث في يوم واحد.
لماذا الماء؟
الماء هو أكثر ما يميز الأركيلة عن معظم أدوات التدخين التقليدية.
كان الاعتقاد القديم أن تمرير الدخان عبر الماء يساعد على تنقيته من المواد الضارة، وهي الفكرة التي ارتبطت أيضًا بالرواية المنسوبة إلى حكيم أبو الفتح.
لكن العلم الحديث أثبت أن هذه الفكرة غير صحيحة من الناحية الصحية. فالماء لا يجعل دخان التبغ آمنًا، ولا يزيل المواد السامة الموجودة فيه بصورة تمنع مخاطرها.
ومع ذلك، بقي الماء عنصرًا أساسيًا في تصميم الأركيلة، وأعطى الدخان طريقة مختلفة في التبريد، ومنحها ذلك الصوت الذي لا يمكن لعاشق النرجيلة أن يخطئه: صوت الفقاعات.
النرجيلة وجوز الهند
يحمل اسم «النرجيلة» نفسه شيئًا من تاريخها.
وتشير المصادر التاريخية إلى ارتباط الاسم بجوز الهند، إذ استُخدمت قشور جوز الهند في بعض النماذج المبكرة كوعاء للماء.
أما في إيران فأصبح الاسم الشائع هو «قليان» أو «غليان»، بينما عُرفت في الهند بأسماء مثل «حقّة» أو «هوكاه»، وفي العالم العربي اشتهرت باسم «نرجيلة» و«شيشة».
ويُظهر هذا التنوع اللغوي رحلة الأداة نفسها؛ فكل منطقة استقبلتها أضافت إليها اسمها وشكلها وطريقتها الخاصة في الاستعمال.
إيران… عندما أصبحت الأركيلة جزءًا من الضيافة
في إيران، تطورت الأركيلة بصورة كبيرة، ولم تعد مجرد أداة بسيطة للتدخين.
أصبحت جزءًا من المجالس والضيافة، وظهرت نماذج فاخرة مصنوعة من المعادن والزجاج والخزف والخشب.
كما ارتبط القليان بالمكانة الاجتماعية، ووصل الأمر في بعض البيئات إلى صناعة قطع فنية ثمينة.
وهذه النقلة مهمة جدًا في تاريخ النرجيلة؛ لأنها حولتها من أداة عملية إلى قطعة تحمل قيمة جمالية واجتماعية.
فلم يعد السؤال فقط: «هل أريد أن أدخن؟»
بل أصبح أيضًا: «أي أركيلة؟ وأي شكل؟ وأي صناعة؟»
الأركيلة تدخل العالم العثماني
مع مرور الوقت انتقلت ثقافة الأركيلة إلى الدولة العثمانية، وأصبحت جزءًا من الحياة الاجتماعية في المدن العثمانية.
وهنا دخلت مرحلة جديدة.
فالمقهى العثماني لم يكن مجرد مكان للقهوة. كان مساحة للحديث وتبادل الأخبار، ولعب الطاولة والورق، والاستماع إلى الشعر، ومناقشة شؤون المجتمع والسياسة.
وكانت الأركيلة مناسبة جدًا لهذه البيئة.
فهي لا تُشبه السيجارة التي تنتهي خلال دقائق.
الأركيلة تحتاج إلى جلسة.
والجلسة تحتاج إلى وقت.
والوقت يحتاج إلى كلام.
وهكذا أصبحت النرجيلة رفيقة المقهى.
النرجيلجي… صاحب المهنة
في المقاهي التقليدية ظهر شخص يعرفه كل رواد الأركيلة: النرجيلجي.
كان مسؤولًا عن تجهيز النرجيلة، ووضع التبغ، وترتيب الفحم، ومراقبة الحرارة، وتنظيف الأدوات.
ومع مرور الوقت أصبح للنرجيلجي زبائنه الدائمون.
يعرف أن هذا الرجل يريد رأسًا قويًا.
وأن ذاك لا يحب الحرارة المرتفعة.
وأن ثالثًا لا يشرب إلا النعنع.
ورابعًا يريد «رأسًا خفيفًا».
وهكذا تحولت عملية إعداد الأركيلة إلى حرفة لها أسرارها.
وفي المقاهي القديمة، كان من الممكن أن يحكم الزبون على المقهى كله من جودة أركيلته.
السلاطين والأركيلة… بين الحقيقة والأسطورة
ارتبطت النرجيلة أيضًا بالقصور العثمانية، لكن بعض القصص التي تتداولها مواقع التواصل حول السلاطين تحتاج إلى شيء من الحذر.
أشهر السلاطين المرتبطين بتاريخ التبغ هو السلطان مراد الرابع، ولكن المفارقة أنه لم يكن معروفًا بحبه للتدخين، بل اشتهر باتخاذ موقف شديد منه وفرض حظر على التدخين خلال عهده.
ومن هنا ولدت حوله حكايات كثيرة، منها قصص عن تجوله متخفيًا في إسطنبول ومراقبته للمدخنين.
أما القول إنه كان يدخن النرجيلة سرًا أو أنه أصبح مدمنًا عليها بعد أن منعها، فهو أقرب إلى النوادر الشعبية منه إلى واقعة تاريخية يمكن الجزم بها.
وهنا يجب أن نتذكر دائمًا أن تاريخ الأركيلة مليء بالحكايات الجميلة، لكن ليس كل ما يُروى عنها وثيقة تاريخية.
من القصور إلى المقاهي الشعبية
كانت الأركيلة في مرحلة من مراحلها جزءًا من مجالس النخبة، لكنها لم تبقَ هناك.
انتقلت إلى عامة الناس.
وأصبحت موجودة في المقاهي والأسواق والبيوت.
وفي بلاد الشام تحديدًا اكتسبت النرجيلة مكانة اجتماعية واسعة.
لم تعد مرتبطة بالسلطان أو التاجر الثري فقط.
أصبح الفلاح والعامل والحرفي والتاجر يجلسون حولها أيضًا.
وهنا بدأت الأركيلة تصبح جزءًا من الحياة اليومية.
النرجيلة تصل إلى لبنان
لبنان لم يكن استثناءً من هذه الرحلة.
ومع مرور الزمن أصبحت الأركيلة جزءًا من المشهد الاجتماعي في المدن والقرى اللبنانية، من بيروت وطرابلس إلى صيدا وصور والنبطية والبقاع والجبل وغيرها.
في المدن ارتبطت بالمقاهي.
وفي القرى والبلدات أصبحت جزءًا من الجلسات المنزلية.
وفي الصيف يمكن أن تجدها في الحديقة أو تحت شجرة، وفي الشتاء قرب المدفأة.
وفي كثير من الأحيان لم تكن الجلسة تبدأ بسبب الأركيلة؛ بل كانت الأركيلة تأتي لتكمل الجلسة.
وهنا يكمن سرها الاجتماعي.
«نقعد أركيلة»
ربما لا توجد عبارة تختصر علاقة اللبنانيين بالأركيلة مثل:
«نقعد أركيلة.»
فالعبارة لا تعني دائمًا «نريد أن ندخن».
أحيانًا تعني:
نقعد شوي.
نحكي.
نشرب قهوة.
نلعب طاولة.
نستعيد أخبار الناس.
ونقتل بعض الوقت.
أي أن الأركيلة أصبحت في الذاكرة الشعبية دعوة إلى الجلوس بقدر ما هي دعوة إلى التدخين.
المقهى اللبناني القديم
تخيل مقهى لبنانيًا قديمًا.
طاولة خشبية.
فنجان قهوة.
أركيلة بجانب الزبون.
صوت أحجار الزهر على الطاولة المجاورة.
رجل يقرأ صحيفة.
آخر يناقش السياسة.
وثالث يروي حكاية لا يعرف أحد إن كانت صحيحة أم من نسج خياله.
وبين كل ذلك يتحرك النرجيلجي حاملاً الفحم.
كان للمقهى إيقاعه الخاص، وكانت الأركيلة جزءًا من هذا الإيقاع.
ولذلك لا يمكن دراسة تاريخ النرجيلة في لبنان بعيدًا عن تاريخ المقاهي والحياة الاجتماعية.
قبل التفاحتين… كان هناك العجمي
جيل اليوم يعرف الأركيلة غالبًا من خلال المعسل المنكّه.
لكن هذا ليس الشكل القديم الوحيد للنرجيلة.
كان «العجمي» من أنواع التبغ التقليدية المعروفة، وكان أقوى وأقل حلاوة من المعسل الحديث.
كما عُرف التبغ التقليدي بأسماء مختلفة بحسب المنطقة وطريقة التحضير.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التبغ التقليدي غير المنكّه، مثل العجمي، كان شائعًا خصوصًا بين الرجال الأكبر سنًا في الشرق الأوسط خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ثم حدث التحول الكبير.
ظهر المعسل.
المعسل… الثورة التي غيرت عالم النرجيلة
المعسل غيّر تجربة الأركيلة بالكامل.
فبعد أن كانت النكهات محدودة، أصبح أمام محبي النرجيلة عالم واسع من الاختيارات.
تفاحتان.
نعنع.
عنب.
ليمون.
كرز.
ورد.
بطيخ.
خوخ.
مانغا.
وغيرها من النكهات التي لا تكاد تنتهي.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن انتشار التبغ المنكّه ازداد بصورة كبيرة منذ تسعينيات القرن العشرين، وأن النكهات ساعدت على توسع شعبية النرجيلة بين فئات عمرية أصغر وفي دول جديدة.
ومن هنا أصبحت الأركيلة تجربة ذوقية أيضًا.
صار لكل شخص «مزاجه».
وهنا ظهرت العبارة الشهيرة:
«شو بدك؟»
فيجيب عاشق النرجيلة:
«تفاحتين… بس تكون مرتبة.»
الجمر… سر النرجيلة
لا يمكن أن نتحدث عن الأركيلة من دون الجمر.
فالفحم جزء أساسي من تجربة النرجيلة التقليدية، وهو الذي يسخن التبغ في كثير من أنواع المعسل.
ومن هنا جاءت خبرة النرجيلجي.
الجمر الكثير قد يجعل الرأس يحترق بسرعة.
والجمر القليل قد يجعل الدخان ضعيفًا.
وتوزيع الفحم بطريقة سيئة يؤدي إلى احتراق جزء من الرأس وبقاء جزء آخر دون حرارة كافية.
لذلك كان إعداد النرجيلة فنًا بحد ذاته.
لكن الفحم يحمل أيضًا جانبًا صحيًا مهمًا، لأنه ينتج أول أكسيد الكربون ومواد سامة أخرى، وهو أحد الأسباب التي تجعل النرجيلة ليست وسيلة آمنة للتدخين.
«المي بتصفّي الدخان»
هذه ربما أشهر جملة يقولها المدافعون عن النرجيلة:
«الدخان بيمر بالماء.»
صحيح.
لكن النتيجة التي يضيفها البعض إليها ليست صحيحة:
«يعني ما بيضر.»
الماء لا يجعل النرجيلة آمنة.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن دخان النرجيلة بعد مروره بالماء لا يزال يحتوي على مواد سامة، وأن الفحم نفسه يضيف أول أكسيد الكربون ومواد أخرى ضارة.
بل إن الجلسة الطويلة قد تعني استنشاق كمية كبيرة من الدخان بسبب طول مدة التدخين.
وتذكر منظمة الصحة العالمية أن جلسة نرجيلة نموذجية لمدة ساعة قد تتضمن استنشاق حجم من الدخان أكبر بكثير من حجم الدخان المستنشق من سيجارة واحدة.
وهذه الحقيقة لا تنتقص من قيمة الأركيلة الثقافية، لكنها تضع حدًا لفكرة أنها «آمنة لأن فيها ماء».
النرجيلة والنوادر
من الصعب أن تكون هناك جلسة أركيلة من دون نادرة.
الرجل الذي يطلب رأسًا قويًا يقول لصاحبه:
«بدك تعمللي شيشة ولا بدك تقتلني؟»
فيرد الآخر:
«إنت طلبتها قوية!»
وآخر يتباهى بأنه صاحب «نفس طويل»، فيأخذ نفسًا كبيرًا ثم يبدأ بالسعال، فيقول له صاحبه:
«خلص، صار النفس الطويل قصير!»
وهناك الرجل الذي يجلس أمام أركيلته ساعتين، ثم عندما تنتهي يقول:
«والله ما حسّيت بالوقت.»
وهذه هي الحقيقة الاجتماعية للأركيلة أكثر من أي شيء آخر.
إنها تجعل الوقت يبدو أقصر.
النرجيلة والرجال والنساء
كان حضور النرجيلة في بعض المجتمعات الشرقية مرتبطًا تاريخيًا بالرجال والمقاهي، لكن ذلك لم يكن قاعدة مطلقة.
ففي مناطق مثل إيران، تشير المصادر التاريخية إلى استعمال القليان لدى النساء أيضًا، بما في ذلك في الأوساط الملكية.
وفي العصر الحديث أصبحت جلسات النرجيلة أكثر انتشارًا بين النساء والرجال على حد سواء، وخصوصًا مع انتشار المقاهي الحديثة والمعسل المنكه.
عندما أصبحت الأركيلة قطعة فنية
لم تكتفِ المجتمعات التي تبنت النرجيلة باستخدامها.
لقد زينتها.
ظهرت أوانٍ من الزجاج والخزف والمعادن، وأضيفت إليها الزخارف والنقوش.
وبعض النماذج التاريخية الموجودة في المتاحف اليوم تُظهر إلى أي حد وصلت صناعة الأركيلة من الناحية الفنية.
فالمتحف البريطاني، مثلًا، يحتفظ بنماذج هندية مزخرفة من الحقبة الإسلامية المتأخرة، من بينها نموذج مصنوع من سبيكة معدنية ومطعّم بالفضة والنحاس، ويعود إلى القرن التاسع عشر.
وهذا يجعل النرجيلة أيضًا موضوعًا لدراسة الفن والحرف التقليدية، وليس فقط تاريخ التدخين.
لماذا بقيت الأركيلة؟
هذا هو السؤال الأهم.
لو كانت الأركيلة مجرد وسيلة للحصول على النيكوتين، لربما تراجعت أمام السيجارة والسجائر الإلكترونية وغيرها.
لكنها بقيت لأن لها وظيفة اجتماعية.
الأركيلة تحتاج إلى جلسة.
والجلسة تجمع الناس.
ولهذا أصبحت النرجيلة جزءًا من ثقافة الضيافة والرفقة والسهر.
وتشير منظمة الصحة العالمية نفسها إلى أن استعمال النرجيلة أصبح مرتبطًا في العصر الحديث بنمط اجتماعي لقضاء الوقت مع الأصدقاء، كما ساهمت النكهات في جعلها أكثر جاذبية لفئات جديدة.
من الشرق إلى العالم
في العقود الأخيرة غادرت الأركيلة بيئتها الأصلية وانتشرت في أوروبا وأميركا ومناطق أخرى.
ظهرت مقاهٍ متخصصة بها، وتطورت أشكالها، وأصبحت هناك نراجيل حديثة خفيفة الوزن، وأخرى زجاجية، وأخرى مصممة للزينة، وحتى نماذج إلكترونية تحاول تقليد التجربة.
لكن المفارقة أن العالم الحديث أعاد تقديم النرجيلة بوصفها شيئًا «شرقيًا تقليديًا»، بينما تاريخها نفسه هو تاريخ انتقال بين ثقافات متعددة.
هند.
إيران.
الدولة العثمانية.
بلاد الشام.
العالم العربي.
ثم العالم بأسره.
ما الذي بقي من النرجيلة القديمة؟
الكثير.
ما زال هناك الماء.
والرأس.
والخرطوم.
والجمر.
والجلسة.
لكن الأهم أن بقيت الفكرة الاجتماعية.
أن يجلس الناس معًا.
أن يتحدثوا.
أن يضحكوا.
أن يختلفوا.
أن يلعبوا الطاولة.
أن يشربوا القهوة.
وأن تمر الساعات دون أن يشعروا بها.
ولهذا يمكن أن يقول شخص:
«أنا بحب الأركيلة.»
لكن إذا سألته:
«شو بتحب فيها؟»
قد يجيب:
«القعدة.»
وربما تكون هذه الإجابة أصدق من أي كتاب تاريخ.
الأركيلة بين التراث والصحة
هناك خط فاصل يجب ألا نتجاهله.
يمكن أن ندرس الأركيلة بوصفها جزءًا من التراث الاجتماعي، وأن نتحدث عن تاريخها وصناعتها ونوادرها، من دون أن يعني ذلك أن تدخينها آمن.
فمنظمة الصحة العالمية تؤكد أن جميع أشكال استعمال التبغ ضارة، وأن النرجيلة ليست بديلًا آمنًا للسجائر. كما يحتوي دخانها على مواد سامة، ويضيف الفحم أول أكسيد الكربون ومواد أخرى ضارة.
كما أن النيكوتين مادة شديدة الإدمان، والتعرض لدخان النرجيلة لا يقتصر على المدخن نفسه، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في المحيطين به.
وهذه الحقيقة لا تلغي تاريخ الأركيلة، لكنها تمنع الخلط بين التراث والثقافة من جهة، والسلامة الصحية من جهة أخرى.
أربعة قرون… وما زالت الحكاية مستمرة
من قشرة جوز الهند والقصبة البسيطة إلى النراجيل الزجاجية والمعدنية الحديثة، قطعت الأركيلة رحلة طويلة.
لم يكن لها مخترع واحد مثبت بصورة قاطعة، ولم تولد في مكان يمكن أن نتفق جميعًا على تسميته، لكنها ظهرت في فضاء آسيوي في بدايات عصر التبغ، ثم انتقلت بين الحضارات حتى أصبحت جزءًا من ثقافات عديدة.
دخلت مجالس الحكام.
واستقرت في المقاهي.
وصلت إلى البيوت.
دخلت لبنان وبلاد الشام.
رافقها النرجيلجي.
وتغير التبغ من العجمي إلى المعسل.
وتغيرت النكهات من القليل إلى المئات.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
الأركيلة تحب الجلسة.
ولعل هذا هو سر بقائها.
فهي لم تكن مجرد دخان يمر عبر الماء، وإنما أصبحت عبر القرون جزءًا من مشهد اجتماعي كامل: فنجان قهوة، أصدقاء، حديث، ضحكة، طاولة زهر، جمر، فقاعات ماء، وسهرة قد تمتد إلى ما بعد منتصف الليل.
ومن هنا، فإن تاريخ الأركيلة ليس تاريخ التبغ وحده.
إنه تاريخ المقاهي.
وتاريخ الضيافة.
وتاريخ الحكايات.
وتاريخ الناس عندما يجلسون معًا ولا يريدون أن تنتهي الجلسة.
الأركيلة… أربعة قرون من الدخان والماء، لكن عمرها الحقيقي ربما هو عمر الجلسة التي لا يريد أصحابها أن تنتهي.
مصادر ومراجع
منظمة الصحة العالمية، ملف تاريخ النرجيلة وأشكالها ومكوناتها وانتشارها.
منظمة الصحة العالمية، «الحقيقة حول استخدام التبغ بواسطة النرجيلة».
المتحف البريطاني، مدخل تاريخ أنابيب الماء ومصطلحاتها وأصولها.
المتحف البريطاني، نموذج هندي تاريخي للحقّة من القرن التاسع عشر.
منظمة الصحة العالمية، المذكرة العلمية حول تدخين التبغ بواسطة النرجيلة وآثاره الصحية.




