
في لحظة لبنانية شديدة الانقسام حول الجنوب والمقاومة والعلاقة مع العدو الإسرائيلي، يأتي «المؤتمر المسيحي لنصرة الجنوب» المُقرّر السبت المقبل في فندق «لو غراي»، بدعوة من لقاء «مستقلون من أجل لبنان»، ليحمل دلالة تتجاوز عنوانه المباشر. فالمسألة لا تتصل فقط بإعلان التضامن مع منطقة تتعرّض للاعتداءات، بل بمحاولة إعادة إدخال «الصوت المسيحي» إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المعادلة الوطنية، لكن هذه المرة، من خارج الاصطفافات الحزبية الجاهزة.
أهمية المؤتمر تكمن في أن المشاركين، بحسب المُعطيات المتوافرة، لا ينتمون إلى إطار سياسي واحد، بل هو جمع يضم رجال دين وأكاديميين ومثقّفين وإعلاميين وشخصيات سياسية ومدنية، ويسعى المنظّمون إلى إعطاء المبادرة غطاءً كنسياً ووطنياً. وبحسب المعلومات، فإن حضور عدد من الأساقفة والمطارنة، إلى جانب تأييد البطريرك الماروني بشارة الراعي وكاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس آرام الأول، يعطيان اللقاء دلالة خاصة، باعتبار أن الجنوب يُطرح باعتباره قضية لبنانية لا قضية طائفَة أو منطقة. ويستند المنظّمون إلى المواقف التي أطلقها البطريرك الراعي في الفترة الأخيرة والتي حملت الجنوب إلى موقع مختلف، حين قال: «الجنوب جنوبنا، والأرض أرضنا، والناس شعبنا»، مؤكداً أن ما يصيب الجنوب يصيب لبنان كله، وأن حماية أهله لا يمكن أن تكون شأناً مناطقياً أو طائفياً.
على أن النقاش المُستهدف، يتجاوز المؤتمر نفسه، حيث لا يمكن للمشهد المسيحي اختزاله بمواقف سمير جعجع وسامي الجميل وجبران باسيل، كما لا يمكن افتراض أن كل مسيحي يعارض حزب الله، أو يتحفّظ على خيار المقاومة، ينتهي بالضرورة إلى تأييد إسرائيل أو القبول بالتطبيع معها. فثمّة مساحة أخرى، قد تكون أقل حضوراً في الحضور الإعلامي، تفصل بين الاعتراض على سلاح المقاومة أو حول إدارة الصراع، والموقف من الاحتلال الإسرائيلي ورفض التطبيع معه. وهذه المساحة هي التي يسعى المؤتمر، في جانب من دلالته السياسية، إلى إبرازها.
سياسياً، يحاول هذا الخطاب، إعادة تعريف العلاقة المسيحية مع الجنوب بعيداً عن النظرة التي تعاملت معه طويلاً، باعتباره ساحة مرتبطة حصراً بالثنائي الشيعي أو بالمقاومة. فالوجود المسيحي في هذه المعادلة لا يعني الاصطفاف مع حزب الله، كما أن رفض سلاحه لا يجب أن يتحوّل إلى موقف متسامح مع الاحتلال، وبين الموقفين توجد مساحة سياسية ووطنية واسعة يمكن أن تشكّل أرضية للحوار.
ولا ينفصل المؤتمر عن حراك أوسع للمجتمع المدني والقوى الوطنية، من لقاءات سياسية وأكاديمية وإعلامية إلى مبادرات تهدف إلى توثيق الاعتداءات الإسرائيلية، ورفض التطبيع، والتحرّك في المحافل الدولية والقانونية. وهو ما يعكس انتقال قضية الجنوب، في جانب من المشهد اللبناني، من كونها ملفاً تتولاه الدولة أو الأحزاب وحدها إلى قضية تحاول قوى مدنية واجتماعية تحويلها إلى قضية رأي عام وطني.
وفي هذا الإطار، تكتسب الإشارة إلى الفاتيكان والاهتمام بالوجود المسيحي في الجنوب بعداً إضافياً، خصوصاً مع التشديد على عدم حصر المساعدات بالقرى المسيحية، بل توسيعها لتشمل النازحين من القرى الشيعية، بما يعكس مقاربة تقوم على حماية الوجود المسيحي من خلال الشراكة مع المسلمين لا من خلال الانعزال عنهم.
على أن الاختبار الحقيقي للمؤتمر، لن يكون في عدد المشاركين فيه، بل في قدرته على إنتاج خطاب سياسي واضح، ولو كانت له هوية مسيحية، إنما له طابعه الوطني من حيث رفض الاحتلال والتطبيع، والانفتاح على الجنوب وأهله، من دون أي تجاهل أو شطب للخلاف الداخلي حول المقاومة أو دور الدولة.
وفي بلد يتجاذبه مشروعان متناقضان، يحاول المؤتمر أن يطرح معادلة مختلفة، تقول إنه يمكن رفض الاحتلال من دون تبنّي كل خيارات المقاومة، ويمكن المطالبة بدولة قوية من دون التخلّي عن الجنوب، ويمكن أن يكون المسيحيون جزءاً من معركة وطنية تتجاوز الاصطفافات التي اعتادت اختزالَ مواقفهم.
الأخبار \ ميسم رزق



