الانتخابات النصفية الأميركية وتداعياتها على الحرب مع إيران ومستقبل الشرق الأوسط: هل بدأت مرحلة إعادة الحسابات؟ كتب: غسان همداني

الانتخابات النصفية الأميركية وتداعياتها على الحرب مع إيران ومستقبل الشرق الأوسط: هل بدأت مرحلة إعادة الحسابات؟
كتب: غسان همداني
لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026 مجرد استحقاق انتخابي تقليدي، أو منافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على مقاعد الكونغرس، بل تحولت إلى محطة سياسية مفصلية في مسار إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما خلّفته من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية تجاوزت حدود الشرق الأوسط لتطال المصالح الأميركية والاقتصاد العالمي.
ويُعتبر فوز الديمقراطيين وسيطرتهم على مجلسي الشيوخ والنواب بمثابة رسالة سياسية واضحة إلى الإدارة الأميركية تعكس حجم الاعتراض الداخلي على عدد من سياساتها وفي مقدمها الحرب على ايران، وإسرائيل أولاً، وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، بالإضافة إلى تساؤلات واضحة حول جدوى الانخراط الأميركي في مواجهة عسكرية مفتوحة لا تبدو نهايتها واضحة، ولا تخدم مصالح أميركا بل جاءت لخدمة المصالح الإسرائيلية وانصياعاً لضغوط نتن ياهو.
هذه الحرب لم تعد قضية خارجية بعيدة عن اهتمامات المواطن الأميركي، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمستوى معيشته وقدرته الشرائية، وهو ما جعل كلفتها الداخلية حاضرة بقوة في الحسابات الانتخابية.
إن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، اعتباراً من انعقاد المجلس الجديد في كانون الثاني المقبل، ستمنحهم قدرة أكبر على تعطيل التشريعات التي تتبناها الإدارة، وممارسة الرقابة والتحقيق في قراراتها، وفرض نقاشات أكثر جدية حول الإنفاق العسكري والسياسة الخارجية.
لكن ذلك لا يعني أن ترامب أصبح عاجزاً عن مواصلة الحرب أو أن الديمقراطيين يمتلكون القدرة المباشرة على إنهائها؛ فالرئيس لا يزال يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة، كما أن تجاوز حق النقض الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين في المجلسين. إلا أن هامش المناورة السياسية أمامه أصبح أضيق، وأصبحت كلفة الاستمرار في الحرب أكبر على إدارته وحزبه.
لم تقتصر تداعيات الحرب على فوز الديمقراطيين فحسب، بل انعكست على الإدارة الاميركية والحزب الجمهوري، ولعل التطور الأكثر دلالة في مرحلة ما بعد الانتخابات تمثل في تصريحات نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، الذي حمّل الحرب على إيران مسؤولية الهزيمة الانتخابية للجمهوريين، معتبراً أن هذه الحرب كانت السبب الأساسي للخسارة.
وفي موقف لافت، تساءل فانس عن جدوى الحرب إذا كانت نتيجتها خسارة السيطرة على مجلس الشيوخ لسنوات، في إشارة إلى أن المكاسب العسكرية المعلنة لا يمكن فصلها عن الخسائر السياسية التي تكبدها الحزب الجمهوري.
وتكتسب تصريحات فانس أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن معارض سياسي أو مسؤول في الحزب الديمقراطي، بل عن الرجل الثاني في الإدارة الأميركية، الذي كان طوال الفترة الماضية جزءاً من السلطة التي اتخذت قرار المواجهة مع إيران.
كما أن هذه التصريحات تكشف عن تباينات داخل المعسكر الجمهوري نفسه بشأن طبيعة الحرب وأهدافها وحدود الاستمرار فيها. ففي حين يتمسك ترامب بتبرير قراره العسكري، ويؤكد أنه كان ضرورياً لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، يبدو فانس أكثر ميلاً إلى مراجعة كلفة المواجهة ونتائجها السياسية والاستراتيجية.
ولا يمكن إغفال أن هذا التباين قد يرتبط أيضاً بالحسابات السياسية المستقبلية داخل الحزب الجمهوري، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2028، حيث يصبح تقييم تجربة ترامب والحرب على إيران جزءاً من الصراع على قيادة الحزب وتوجهاته المقبلة.
لكن ينبغي عدم المبالغة في اعتبار تصريحات فانس مؤشراً حاسماً على قرب انتهاء الحرب، فالموقف الأميركي لا يزال محكوماً بحسابات الأمن القومي والعلاقة مع إسرائيل، فضلاً عن طبيعة المطالب المتبادلة بين واشنطن وطهران. فمن الناحية السياسية، تبدو الإدارة الأميركية أمام ثلاثة خيارات رئيسية:
الأول، اقدام ترامب على شن هجوم عسكري على ايران، رغم تراجع الغطاء السياسي الداخلي وارتفاع كلفتها الاقتصادية والاستراتيجية. وهذا الخيار قد يضع الولايات المتحدة أمام استنزاف أطول، ويزيد احتمالات توسع المواجهة إلى ساحات إقليمية جديدة.
الثاني، العودة إلى المسار التفاوضي، ومحاولة التوصل إلى اتفاق يضمن المصالح الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تفاهمات تتصل بوقف العمليات العسكرية وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
أما الخيار الثالث، فيتمثل في اعتماد سياسة مزدوجة تقوم على التلويح بالقوة العسكرية مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التسوية السياسية، بهدف انتزاع تنازلات إيرانية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وبطبيعة الحال لا تقتصر تداعيات الانتخابات الأميركية على الداخل الأميركي، بل تمتد إلى مجمل التوازنات في الشرق الأوسط.
بالنسبة لدولة العدو الاسرائيلي التي راهنت على استمرار الدعم الأميركي المطلق في مواجهة إيران، قد تجد نفسها أمام إدارة أكثر حساسية تجاه الكلفة السياسية والعسكرية للحرب خاصة مع قرار ترامب وقف المساعدات لها، وأمام كونغرس يضم أغلبية ديمقراطية تستطيع ممارسة ضغوط سياسية ورقابية على خيارات الإدارة قد يفرض نقاشاً أوسع حول حدود العمليات العسكرية وأهدافها، ومدى تأثيرها على المصالح الأميركية والاستقرار الإقليمي.
أما إيران، فقد تقرأ نتائج الانتخابات والتباينات داخل الإدارة الأميركية باعتبارها فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي، وإظهار أن استمرار الحرب لا يحظى بإجماع داخلي أميركي. إلا أن ذلك لا يعني أن طهران ستتجه تلقائياً إلى تقديم تنازلات، بل قد تسعى إلى استثمار التحولات السياسية الأميركية لتحسين شروط أي تسوية مقبلة.
وفي الخليج العربي، ستبقى المخاوف مرتبطة بأمن الطاقة والملاحة البحرية، خصوصاً أن مضيق هرمز يمثل شرياناً أساسياً للتجارة النفطية العالمية. وأي استمرار لتعطيل حركة الملاحة أو استهداف السفن سيترك انعكاسات مباشرة على اقتصادات المنطقة والعالم.
أما لبنان، فلا يمكن أن يكون بعيداً عن هذه التحولات، نظراً لارتباط ساحته بالتوازنات الإقليمية والصراع بين إيران ودولة العدو الإسرائيلي. فأي تصعيد جديد بين الطرفين قد ينعكس مباشرة على الوضع اللبناني، في حين أن التوجه نحو تسوية سياسية شاملة قد يفتح نافذة أمام خفض التوتر، شرط أن تشمل التفاهمات معالجة الملفات الأمنية والعسكرية العالقة، وألا يبقى لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
نتيجة للانتخابات، تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تستمر المواجهة العسكرية بما تحمله من مخاطر اتساع رقعة الصراع واستنزاف مقدرات الشعوب، وإما أن تدفع التحولات السياسية الأميركية الأطراف المعنية إلى إعادة النظر في حساباتها والبحث عن تسوية تنهي الحرب وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل تكون هذه التحولات مدخلاً لتغيير حقيقي في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، أم أنها مجرد إعادة تموضع سياسية تفرضها نتائج الانتخابات، فيما تبقى الأهداف الاستراتيجية الأميركية على حالها؟




