الدكتور عباس حيدر : *مشكلة الفكر العربي المعاصر… أنّه يكتفي بإدانة الواقع دون فهمه

*مشكلة الفكر العربي المعاصر… أنّه يكتفي بإدانة الواقع دون فهمه*
*كتب الدكتور : عبّاس حيدر*
تكمن أزمة جزء كبير من الفكر العربي المعاصر في أنّه تحوّل إلى خطابٍ وعظي وإرشادي أكثر منه مشروعًا نقديًّا. فهو يجيد توزيع الأحكام، لكنّه كثيرًا ما يعجز عن تشريح الأسباب. يرفع شعارات النّهضة، لكنّه يتردد في مساءلة البنى السياسية والاجتماعية والثقافية التي أعاقت هذه النّهضة لعقود.
من السّهل أن نقول إنّ الفساد هو المشكلة، وإن الاستبداد هو السّبب، وإنّ الخارج يتآمر علينا. لكنّ السّؤال الأصعب هو: كيف نشأت هذه الظّواهر؟ ولماذا استمرّت؟ وما الذي جعل المجتمعات تتكيّف معها بدل أن تتجاوزها؟
في لبنان، كما في كثير من الدّول العربية، أصبح الخطاب العام أسيرًا للانفعال أكثر من التّحليل. فالأحزاب كثيرًا ما تكتفي بتبرير خياراتها أو إدانة خصومها، فيما تتراجع ثقافة المراجعة والمحاسبة. كل فريق يملك روايته المكتملة، ولا أحد يريد أن يعترف بأنّ الأخطاء قد تكون مشتركة، وأنّ الأثمان دفعها المواطن قبل السياسي.
إنّ الفكر الذي لا يجرؤ على نقد بيئته، ولا يراجع مسلّماته، ولا يعترف بإخفاقاته، يتحوّل إلى أداة لتبرير الواقع لا لتغييره. فالإصلاح لا يبدأ بإدانة الآخرين، بل بالقدرة على مساءلة الذّات، وعلى الاعتراف بأنّ أي فكرة أو حزب أو سلطة يمكن أن تخطئ عندما تُعفى من النّقد.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الخطب التي تخبر النّاس بما يجب أن يكون، بل إلى فكرٍ يفسّر لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه، ويقترح مسارات واقعيّة للخروج من الأزمات. فالتّغيير لا يصنعه الوعظ، بل يصنعه الوعيّ؛ ولا يولد من الشّعارات، بل من النّقد الحرّ، والجرأة في الاعتراف بالخطأ، والإيمان بأنّ الوطن أكبر من أيّ حزب، وأسمى من أيّ اصطفاف.
ولهذا، فإنّ بداية النّهضة ليست في رفع الشّعارات، بل في تحرير العقل من قداسة الأفكار، ومنح الإنسان حق السؤال قبل أن يُطلب منه التصفيق.



