📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

هل انتهى فعليا ح..ز..ب الله ؟

هل انتهى فعلياً ح..ز..ب الله؟
لا شك أن من يتتبع مسيرة حزب الله منذ انطلاق حرب إسناد غزة وحتى اليوم، سيجد أن قدراته قد تقلصت نتيجة الضربات الموجعة التي تلقاها، وهذا ما أسعد أعداءه الداخليين من اللبنانيين المرتبطين بأجندات خارجية، أكثر مما أسعد أعداءه الخارجيين.
لكن نظرة قريبة إلى الحزب، تشمل قياداته وقواعده الشعبية الأصيلة والحليفة، لا تظهر وجود ضعف داخلي واضح في بنيته. فلا يزال الحزب، وفق ما تبدو عليه بنيته التنظيمية والسياسية، جسماً واحداً، ولم تظهر انشقاقات هرمية على مستوى القيادات، ولا انقسامات واسعة على مستوى قواعده الشعبية.
صحيح أن الحزب يعاني من ضغوط داخل بيئته، ومن مطالب محقة عبّرت عنها شرائح من هذه البيئة، وقد استُخدمت هذه الضغوط في جزء منها لاستهداف الحزب نفسه ومحاولة فصله عن بيئته المقاومة وعزله عنها. وصحيح أيضاً أنه فقد جزءاً من ترسانته في منطقة جنوب الليطاني، إضافة إلى خسارته جزءاً مهماً من الأراضي التي كانت تشكل له مجالاً جغرافياً مريحاً للحركة والمواجهة. إلا أن هذه الخسارة، من وجهة نظر عسكرية، تبقى خسارة جغرافية يمكن نظرياً تعويضها خلال فترات زمنية قصيرة إذا استطاعت الدولة اللبنانية حماية شعبها والحؤول دون استمرار استهدافه.
بمعنى آخر، يمكن القول إن حزب الله خسر جولة، لكنه لم يخسر الحرب. وسبب هذه الخسارة لا يغيب عن بال المتابعين؛ فمخازنه وترسانته وقواعده جنوب الليطاني كانت قد فقدت جزءاً كبيراً من فاعليتها، إما نتيجة التدمير الذي تعرضت له خلال حرب الإسناد، وإما نتيجة ما جرى من تفريغ أو مصادرة لبعض المواقع والأسلحة في مراحل لاحقة، ولا سيما بعد إسناد بعض المهام إلى الجيش اللبناني. وهذا الواقع جعل مهمة التصدي لأي اجتياح أكثر صعوبة، في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي وإحكام السيطرة على الأجواء الجنوبية.
في هذه المرحلة، يبدو أن حزب الله يعيد بناء نفسه وفق معايير مختلفة. فالأشخاص الذين ارتبطوا به بحكم المصلحة تراجعت أدوارهم أو سقطوا من حساباته، كما أن ظاهرة الانفلاش التنظيمي التي رافقت مراحل سابقة، وما رافقها من عناصر متكسبة أو هامشية، تراجعت إلى حد كبير. وهذا قد يكون دفع الحزب إلى العودة بصورة أكثر تشدداً إلى مبدأ السرية التنظيمية، والابتعاد بالمقاتلين عن الظهور أمام عامة الناس، بما يعزز قدرته على العمل السري وعلى خوض حرب عصابات تعتمد بصورة أكبر على العقيدة والتنظيم والسلاح الخفيف والمتوسط، في مواجهة جيش كلاسيكي يعتمد على التفوق التكنولوجي وغزارة النيران.
في السابق، كان من الممكن القول إن سرية الحزب لم تعد مطلقة، وإن جزءاً من أسراره التنظيمية والعسكرية أصبح معروفاً أو متداولاً لدى الجمهور. أما اليوم، فإن الاتجاه يبدو معكوساً؛ إذ بات الحزب أكثر تشدداً في الحفاظ على سريته، وأصبح مقاتلوه أكثر ابتعاداً عن عامة الناس قدر المستطاع، الأمر الذي قد يمنحه قدرة أكبر على العمل السري والتصدي في حال اندلاع حرب جديدة تُفرض عليه مباشرة.
وهنا تختلف طبيعة المرحلة المقبلة عن الحروب السابقة. فالحزب لم يكن دائماً يخوض المواجهة نتيجة استهداف مباشر لأراضيه وقواعده، بل دخل في مراحل سابقة من القتال تحت دوافع سياسية وأمنية وأخلاقية وإنسانية مرتبطة بالمعركة الإقليمية. أما في حال تعرضه لحرب مفروضة عليه داخل بيئته ومناطقه، فقد تكون حساباته مختلفة، وقد يلجأ إلى أساليب قتال أكثر اعتماداً على حرب العصابات والاستنزاف والعمل غير المباشر.
أما في ما يتعلق بمعركة تلال علي الطاهر، وبحسب المعطيات المتداولة، فإن استمرار المواجهة فيها خلال الأشهر الماضية وعدم تحقيق إسرائيل تقدماً حاسماً فيها يستحق التوقف عنده. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى أن المنطقة الواقعة شمال الليطاني لم تتعرض للظروف نفسها التي تعرضت لها مناطق جنوبه، ما أبقى للحزب هامشاً أكبر من القدرة على الحركة والمناورة.
قد يكون من السهل نسبياً على إسرائيل اجتياح مناطق واسعة من جنوب الليطاني إذا قررت خوض مواجهة برية شاملة، لكن السؤال الأصعب سيكون: هل تستطيع الاحتفاظ بهذه المناطق؟ وهل تستطيع تأمين قواتها وخطوط إمدادها في بيئة معادية، وخصوصاً إذا انتقلت المواجهة إلى نمط حرب عصابات طويلة الأمد؟
هنا تكمن المسألة الأساسية. فالجيوش النظامية تستطيع تحقيق تفوق كبير في النيران والسيطرة على الأرض، لكنها تواجه تحدياً مختلفاً عندما تتحول الحرب إلى استنزاف طويل، ويصبح الخصم أقل ظهوراً وأكثر اعتماداً على الخلايا الصغيرة والكمائن والأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان حزب الله قد تلقى ضربة قاسية؛ فهذا أمر لا خلاف عليه، بل ما إذا كانت هذه الضربة قد أنهت قدرته على إعادة تنظيم صفوفه وبناء قدراته واستعادة زمام المبادرة.
والجواب، وفق القراءة التي تقدمها المعطيات الحالية، لا يبدو محسومًا لمصلحة من يعتقد أن الحزب انتهى. فقد يكون الحزب قد خسر جزءاً مهماً من قوته وقدرته على العمل العلني والمريح، لكنه لم يفقد بالضرورة بنيته التنظيمية أو قاعدته الشعبية أو قدرته على التحول إلى نمط مختلف من القتال.
وقد تكون المرحلة المقبلة مرحلة انتظار أكثر منها مرحلة مواجهة مفتوحة، بانتظار ما إذا كانت الحلول السياسية والاستراتيجية قادرة على فتح باب للاستقرار وإعادة ترتيب المنطقة. أما إذا انسدت هذه الحلول واستمرت المواجهة، فقد نشهد انتقالاً تدريجياً من الحرب التقليدية إلى حرب استنزاف وعصابات، وهي الحرب التي تخشاها الجيوش النظامية أكثر من غيرها.
وعليه، فإن القول إن حزب الله «انتهى» قد يكون سابقاً لأوانه، تماماً كما أن القول إنه خرج من الحرب منتصراً سيكون تبسيطاً للواقع. الأدق أن الحزب تلقى ضربة استراتيجية وعسكرية كبيرة، وخسر مساحة واسعة من قدراته ومجاله الجغرافي، لكنه لا يزال يحتفظ بعناصر قوة تنظيمية وشعبية وعقائدية قد تسمح له بإعادة بناء نفسه وفق قواعد جديدة. والسؤال الذي سيحسم مستقبل الحزب لن يكون حجم ما خسره فقط، بل قدرته على إعادة تنظيم ما تبقى منه، وعلى التكيف مع البيئة اللبنانية والإقليمية الجديدة.

موقع قلم حر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى