📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

*د. هنادي عباس : هل نحن أمام اتفاقية كبرى لتقاسم النفوذ بين أميركا وإيران ؟*

هل نحن أمام اتفاقية كبرى لتقاسم النفوذ بين أميركا وإيران؟

ما يجري اليوم على الساحتين الدولية والإقليمية لا يتّسم بالبراءة لدى أيّ من الأطراف المتنازعة. فالمنطقة لم تعد أمام صراعٍ تقليدي بين محورين بقدر ما تدخل تدريجياً في مرحلة إعادة توزيع للقوة والنفوذ والثروة، حيث تتقدّم مصالح الدول على الشعارات، وتتحول الجغرافيا من ساحات مواجهة إلى أوراق تفاوض.

السؤال الذي يجب طرحه اليوم ليس: هل تتفق واشنطن وطهران؟ بل: على ماذا يمكن أن تتفقا، وما الثمن الذي ستدفعه المنطقة؟

فبعد المواجهة الأميركية–الإيرانية ووقف الأعمال القتالية في نيسان، انتقلت العلاقة إلى مسار مختلف، وصولاً إلى مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية في حزيران، التي ربطت الملف النووي بحرية الملاحة في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، بقيت واشنطن متمسكة بأدوات الضغط الاقتصادي والعسكري على إيران. وهذا يعني أن العلاقة لم تنتقل من العداء إلى التحالف، بل من الصدام المفتوح إلى إدارة الصراع والتفاوض تحت الضغط.

وهنا تحديداً تبدأ ملامح الشرق الأوسط الجديد.

فما بُني لعقود على شعارات القدس والقبلة الأولى ومحاور المواجهة، أصبح اليوم أمام امتحان مختلف: من يملك الممرات؟ من يضمن الطاقة؟ من يسيطر على الأسواق؟ ومن يحصل على الحصة الأكبر في النظام الإقليمي الذي يجري تشكيله؟

حتى الخليج لم يعد مجرد مساحة نفطية أو حليف ثابت لواشنطن؛ لقد أصبح الحبل الذي تشدّه القوى من جهاته المختلفة. أميركا تريد أمن الطاقة والقواعد والممرات والأسواق، وإيران تدرك أن قدرتها على التأثير في أمن الخليج ومضيق هرمز تمنحها ورقة تفاوض تتجاوز حجم اقتصادها. والتهديد الإيراني الأخير باستهداف البنية التحتية الخليجية إذا تعرّضت إيران لضربات أميركية يكشف أن الخليج أصبح في الوقت نفسه ساحة ضغط ووسيطاً وموضوعاً للتسوية.

لكن الحديث عن «تقاسم أميركي–إيراني للشرق الأوسط» يحتاج إلى دقة. لا توجد حتى الآن أدلة علنية على يالطا جديدة تُقسّم المنطقة بين واشنطن وطهران. الأكثر واقعية هو احتمال نشوء تفاهم على حدود النفوذ: إيران تتراجع أو تعيد تعريف بعض أدواتها الإقليمية مقابل ضمانات تتعلق بأمنها واقتصادها وموقعها؛ وأميركا تقبل ببقاء إيران لاعباً إقليمياً لا يمكن إلغاؤه، شرط ألا يتحول هذا الدور إلى تهديد مباشر للمصالح الأميركية وللتوازن الذي تريد واشنطن تثبيته.

وهذا أخطر من الاتفاق المعلن، لأن الاتفاقيات يمكن قراءتها، أما التفاهمات على مناطق النفوذ فتُقرأ في النتائج.

العراق، سوريا، لبنان، الخليج واليمن لن تكون ملفات منفصلة إذا ذهب المسار بهذا الاتجاه، بل ساحات يُعاد تحديد وظيفة كل منها داخل التوازن الجديد. ومن هنا قد لا يكون المطلوب إنهاء النفوذ الإيراني بالكامل، بل إعادة ضبطه وتحويله من نفوذ عسكري مكلف إلى نفوذ سياسي واقتصادي قابل للاحتواء.

أما إسرائيل، فهي ليست خارج هذه المعادلة. أي هندسة أميركية للمنطقة ستبقى مرتبطة بأمنها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة منحها حرية غير محدودة؛ فالولايات المتحدة تبحث في النهاية عن نظام إقليمي يحمي مصالحها ويمنع انفجار حرب تستنزف الجميع، لا عن حرب دائمة تجعل النفط والممرات والقواعد الأميركية رهائن لكل جولة تصعيد.

وهنا تقع المعضلة الكبرى بالنسبة إلى شعوب المنطقة:

ماذا لو انتهت حروب الشعارات إلى تسويات المصالح؟

ماذا لو كانت الدماء التي دُفعت طوال عقود جزءاً من صراع انتهى عند طاولة يجلس إليها الخصمان لتحديد أثمان النفوذ وحدوده؟

فالسياسة الدولية لا تعرف الوفاء للشعارات بقدر ما تعرف ميزان القوة. ومن يمتلك ورقة يستخدمها، ومن يفقدها يصبح هو نفسه ورقة على الطاولة.

لذلك فإن «بداية النهاية» التي نشهدها قد لا تكون نهاية إيران ولا نهاية النفوذ الأميركي، بل نهاية شكلٍ كامل من أشكال الشرق الأوسط وبداية آخر: شرق أوسط أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية، تتصارع فيه الدول على الموانئ والطاقة والمعادن والممرات والاستثمارات قبل الشعارات.

وهنا يصبح السؤال اللبناني أكثر إيلاماً:

إذا كانت الدول الكبرى والإقليمية تعيد تموضعها وفق مصالحها، فهل يبقى لبنان يقاتل داخل خرائط الآخرين من دون أن يرسم خريطته؟

الخطر ليس فقط أن تتفق أميركا وإيران.

الخطر الحقيقي أن يتفق الجميع في النهاية، ويكتشف اللبنانيون والعرب أنهم كانوا ساحة الاتفاق لا طرفاً فيه؛ دفعوا أثمان الحرب، فيما جلس الآخرون لتقاسم أرباح السلام.

فالشرق الأوسط الجديد، إن كان يولد بالفعل، لن يُرسم فقط بصواريخ من انتصر ومن خسر، بل بالسؤال الأبسط والأقسى:

من بقيت في يده أوراقٌ عندما انتهى إطلاق النار وبدأ تقاسم النفوذ؟

#هنادي_عباس
كاتبة وباحثة سياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى