
قبل حوالي 40 عاما كانت لعب الأطفال اليافعين المفضلة هي عربة خشبية لها دواليب معدنية يصنعونها بأيديهم ويثبتونها بمسامير , والقيادة الحتمية هي على الطرقات المرتفعة قليلا , بحيث تسير العربة بالضغط الطبيعي وعندما يصل الطفل الى آخر الطريق يحمل عربته ويركض الى المرتفع من جديد معبرا عن سعادته التي لا توصف .
صحيح ان هذه العربات كانت مزعجة لمن تمر الطرقات قرب منزله , ولكن كان لها وقت محدد هي ايام العطلة المدرسية , وقبل مغيب الشمس على الأطفال ان يكونوا جميعا في البيت .
كانت هذه العربات مصدرا لتعزيز الرياضة البدنية للأطفال بالركض وحمل العربة التي يتجاوز زنها احيانا عدة كيلوغرامات .
وفي مراحل لاحقة بدأت تنتشر ظاهرة الدراجات الهوائية التي يقودها الطفل بحهد عضلي فكانت تزيد من قوة بنيته الجسدية وكانت اقل ازعاجا من العربات الخشبية .
اما في المرحلة الراهنة ومع بروز ظاهرة قيادة الدراجات النارية من قبل الأطفال فهي تُعد من أخطر الآفات الاجتماعية والمرورية المنتشرة ، حيث تحولت هذه المركبات من وسيلة تنقل أو ترفيه إلى مصدر تهديد حقيقي وعلني لحياة القاصرين ومستخدمي الطريق. إن غياب الوعي والرقابة القانونية والأسرية يحول هذه الدراجات إلى قنابل موقوتة في أيدي أطفال لا يدركون حجم المخاطر المحيطة .
فالدراجة النارية، مهما كان حجمها أو نوعها، هي مركبة تخضع لقانون السير، وسائقها مستخدم شرعي للطريق عندما تكون الدراجة مستوفية للشروط القانونية ويكون هو مستوفيًا لشروط القيادة. وبالتالي لا يجوز التعامل مع سائق الدراجة وكأنه أقل حقًا من سائق السيارة لمجرد أن مركبته أصغر حجمًا.
لكن هذا الحق يقابله التزام واضح باحترام القانون وقواعد السلامة المرورية.
الدراجة ليست فوق القانون
على سائق الدراجة النارية أن يمتلك رخصة سوق صالحة للفئة التي يقودها، وأن تكون الدراجة مسجلة ومستوفية الشروط القانونية، وتحمل اللوحة المطلوبة، إضافة إلى توافر المستندات والتأمين وفق الأصول.
كما يتوجب عليه الالتزام بإشارات السير والسرعات المحددة، ووضع الخوذة الواقية، وعدم القيادة بطريقة تعرض حياته أو حياة الآخرين للخطر، وعدم القيادة تحت تأثير الكحول أو أي مادة تؤثر في قدرته على التحكم بالمركبة.
والأهم أن صغر حجم الدراجة لا يعطي سائقها حقوقًا إضافية غير موجودة في قانون السير.
من أكثر السلوكيات انتشارًا على الطرق اللبنانية قيام بعض سائقي الدراجات بالمرور من الجهة اليمنى للسيارات وتجاوزها، وأحيانًا المرور بسرعة بين السيارات.
وهنا يجب توضيح مسألة أساسية: القاعدة العامة في قانون السير هي أن التجاوز ( الدوبلة ) يتم من اليسار، ولا يجوز اعتبار المرور من يمين المركبة حقًا خاصًا بالدراجات النارية.
فكون الدراجة أصغر حجمًا وقادرة على المرور في مساحات ضيقة لا يعني أن لسائقها الحق في تجاوز ( الدوبلة على يمين السيارات ) السيارات من اليمين بصورة عشوائية. والتجاوز من اليمين لا يصبح مشروعًا إلا في الحالات التي يسمح بها القانون.
وهذا الأمر لا يتعلق فقط بالمخالفة، بل بالسلامة أيضًا؛ إذ إن سائق السيارة قد لا يتوقع وجود دراجة مسرعة بمحاذاة الجهة اليمنى لمركبته، ما قد يؤدي إلى حادث خطير عند تغيير المسار أو الاتجاه.
وفي المقابل، فإن مخالفة سائق الدراجة لا تعني إعفاء سائق السيارة من واجبه في القيادة بحذر. فسائق السيارة ملزم بدوره باحترام قواعد تغيير المسرب والتأكد من خلو الطريق قبل المناورة وعدم تعريض مستخدمي الطريق للخطر.
المرور بين السيارات ليس امتيازًا
يعتقد البعض أن للدراجات النارية حقًا خاصًا في المرور بين السيارات بسبب قدرتها على المناورة.
لكن الطريق العام ليس مساحة مفتوحة للمناورات العشوائية. فعلى سائق الدراجة أن يحافظ على مسافة أمان وأن يلتزم بمساره وقواعد تغيير المسارب، وألا يقوم بحركات مفاجئة أو استعراضية يمكن أن تفاجئ سائقي السيارات أو المشاة.
فالدراجة التي تمر بسرعة كبيرة بين السيارات قد تكون في لحظة واحدة خارج مجال رؤية السائق، وأي فتح مفاجئ لباب سيارة أو تغيير مسار يمكن أن يؤدي إلى عواقب خطيرة.
الأطفال والدراجات النارية… ظاهرة أكثر خطورة
إذا كانت قيادة الدراجة النارية من قبل شخص بالغ تتطلب مسؤولية وانتباهًا وخبرة، فإن السماح لطفل بقيادتها على الطريق العام يمثل خطرًا أكبر بكثير.
وقد بات من المقلق مشاهدة أطفال دون سن العاشرة يقودون في بعض المناطق دراجات أو مركبات آلية صغيرة على الشوارع العامة، وأحيانًا أمام أعين ذويهم، وكأن امتلاك القدرة على قيادة هذه المركبات أصبح مظهرًا من مظاهر الرفاهية أو وسيلة للترفيه.
وهنا يجب التشديد بصورة واضحة:
الأطفال لا يجوز لهم قيادة الدراجات النارية على الطرق العامة قبل بلوغ السن القانونية ( 18 عاما ) والحصول على رخصة القيادة المطلوبة وفق نوع المركبة.
فالأمر ليس مجرد مسألة عمر أو مهارة في تشغيل الدراجة. قيادة مركبة آلية على الطريق العام تتطلب أهلية قانونية وقدرة على تقدير السرعة والمسافة والمخاطر والتعامل مع المفاجآت المرورية.
والطفل الذي لم يبلغ السن القانونية لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية قيادة مركبة آلية في شارع عام بين السيارات والمشاة.
مسؤولية الأهل
المسؤولية هنا لا تقع على الطفل وحده، بل تبدأ من الأهل.
فالسماح لطفل صغير بقيادة دراجة نارية في الشارع العام لا يمكن تبريره بأنه «يعرف القيادة» أو «يقودها منذ فترة» أو «الشارع قريب من المنزل». فالطريق العام قد يحمل في أي لحظة خطرًا لا يستطيع الطفل توقعه.
ومن واجب الأهل أن يميزوا بين رغبة الطفل في اللعب وبين السماح له بقيادة مركبة آلية في مكان لا يصلح لذلك.
فالطفل يستطيع ممارسة هواياته في بيئة آمنة، لكن الشارع العام ليس ملعبًا للأطفال.
الدراجة الهوائية ليست الدراجة النارية
ومن المهم أيضًا عدم الخلط بين الدراجة الهوائية والدراجة النارية.
الدراجة الهوائية تعتمد أساسًا على الجهد العضلي للطفل، وتساهم في النشاط البدني، وتقوية عضلات الساقين، وتحسين التوازن والتناسق الحركي والتحمل.
أما الدراجة النارية فتعتمد على محرك آلي لتوليد الحركة، ولذلك لا يمكن اعتبار قيادتها نشاطًا رياضيًا بالمعنى نفسه الذي تمثله الدراجة الهوائية.
وبالتالي، إذا كان الهدف هو الرياضة والترفيه وتنمية القدرات البدنية لدى الطفل، فإن الدراجة الهوائية في مكان آمن ومناسب تكون أكثر ارتباطًا بهذا الهدف من قيادة مركبة نارية.
ماذا عن الدراجات ذات الأربع عجلات؟
ولا تقتصر الظاهرة على الدراجات ذات الدولابين، إذ تنتشر أيضًا مركبات آلية صغيرة ذات أربع عجلات، وقد يسمح بعض الأهل لأطفالهم باستخدامها في الشوارع العامة.
لكن وجود أربع عجلات لا يحول المركبة إلى لعبة، ولا يعفي سائقها من القواعد القانونية إذا كانت مصنفة كمركبة آلية خاضعة لقانون السير.
لذلك يجب تحديد نوع المركبة وتصنيفها القانوني، لأن شروط قيادتها والترخيص لها تختلف بحسب فئتها ومواصفاتها.
حق سائق الدراجة وواجب سائق السيارة
من الخطأ تحويل النقاش إلى مواجهة بين «أصحاب السيارات» و«أصحاب الدراجات».
فكلاهما مستخدم للطريق، ولكل منهما حقوق وعليه واجبات.
سائق السيارة ليس من حقه تجاهل الدراجة أو التضييق عليها أو تغيير مساره دون التأكد من سلامة المناورة.
وفي المقابل، لا يحق لسائق الدراجة أن يعتبر صغر حجم مركبته مبررًا للسرعة أو التجاوز الخطر أو السير عكس الاتجاه أو المرور العشوائي بين السيارات أو على الأرصفة.
القانون لا يميز بين المركبات على أساس القوة أو الحجم، وإنما يحدد حقوق كل مستخدم للطريق وواجباته.
المطلوب: ثقافة مرورية لا حملة مؤقتة
إن معالجة مشكلة الدراجات النارية في لبنان لا يمكن أن تقوم فقط على تحرير محاضر المخالفات أو حجز الدراجات.
المطلوب هو بناء ثقافة مرورية تبدأ من المنزل ( الأهل ) والمدرسة وتصل إلى الشارع، وتقوم على أن الدراجة النارية وسيلة نقل وليست وسيلة للاستعراض، وأن الطريق العام ليس مكانًا لتجربة السرعة والمناورات.
كما أن مسؤولية الأهل أساسية في منع الأطفال من قيادة المركبات الآلية قبل بلوغهم السن القانونية، وفي توجيههم نحو وسائل ترفيه ورياضية آمنة، وعلى رأسها الدراجة الهوائية في الأماكن المناسبة.
وفي النهاية، فإن احترام قانون السير لا ينبغي أن يكون خوفًا من المخالفة أو الغرامة، بل قناعة بأن السلامة المرورية مسؤولية مشتركة.
أما الطفل فحقه في أن يبقى آمنًا، وألا تتحول رفاهية الأهل أو رغبة الطفل في التقليد والاستعراض إلى مخاطرة بحياته وحياة الآخرين.
فالطريق العام ليس مكانًا للعب، وقانون السير ليس وجهة نظر، والسلامة ليست رفاهية.
نقطة اخيرة يجب ان يعلم سائقو الدراجات النارية انه في حال الإصابة الجسدية الناتجة عن اي حادث لن تكون الطبابة والمعالجة على حساب وزارة الصحة كما درجت العادة , بل على نفقة شركة التأمين … و إلا , احترسوا على اطفالكم والدلع لا يفيد بشكل دائم .
اعداد موقع قلم حر







