حين يخطئ المعمم الشيعي بعقد زواج بمليون دولار ونصف قصر – هل تحوّل المهر إلى رسالة إحباط للشباب؟

يتداول على وسائل التواصل الإجتماعي فيديو لمعمم شيعي يتلو صيغة عقد زواج على عروسين , المهر فيه مليون دولار ونصف قصر !
أولًا : لا بد من المباركة للعروسين، والدعاء لهما بحياة زوجية سعيدة ومستقرة، وأن يكون زواجهما قائمًا على المحبة والمودة والرحمة. ولكن كان الأجدر لهما أن يحتفظا بتفاصيل حياتهما الخاصة وأمورهما المالية لأنفسهما، ومن بينها مقدار المهر، خصوصًا عندما تكون هذه التفاصيل شديدة الخصوصية.
لكن انتشار فيديو لعقد زواج يُذكر فيه مهر يتضمن نصف قصر ومؤخرًا قدره مليون دولار يفتح نقاشًا آخر يتجاوز العروسين إلى مسؤولية رجل الدين والرسالة الاجتماعية التي يحملها هذا المشهد.
من المهم هنا ألا نخلط بين صحة العقد من الناحية الفقهية وبين مدى ملاءمة هذا النموذج أخلاقيًا وتربويًا للمجتمع. فالمهر حق مشروع للمرأة، ولا يمكن القول إن مجرد ارتفاعه يجعل عقد الزواج باطلًا أو حرامًا. لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو: هل من الحكمة إظهار مهر بهذا الحجم أمام مجتمع انهكته الحرب والوضع الإقتصادي الصعب و يعاني فيه كثير من الشباب من صعوبة تأمين تكاليف الزواج في ظل انعدام فرص العمل ؟
النبي محمد صلى الله عليه وآله دعا إلى التيسير في الزواج، وجاءت السنة بأمثلة واضحة على عدم تحويل الزواج إلى عبء مالي. ولعل أبرز الأمثلة زواج ابنته فاطمة عليها السلام من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، حيث كان مهرها درع علي , وثمن هذا الدرع هو القليل من الدراهم .
ولا يعني ذلك أن كل امرأة يجب أن يكون مهرها درعًا، ولا أن المهر الكبير محرم شرعًا. لكن قصة مولاتنا فاطمة وسيدنا علي تحمل رسالة أخلاقية وتربوية بالغة الأهمية: الزواج لا ينبغي أن يتحول إلى سباق في الثروة، ولا أن تصبح قيمة المهر مقياسًا لقيمة المرأة أو نجاح العائلة.
ومن هنا يأتي العتاب للشيخ الذي أجرى العقد.
فالنقد هنا ليس دينيًا بمعنى القول إن الشيخ أجرى عقدًا باطلًا أو أحلّ حرامًا، وإنما هو نقد سلوكي واجتماعي لدوره كرجل دين وموجّه للمجتمع. كان يمكنه أن يجري العقد، إذا كان مستوفيًا لشروطه، ثم يذكّر الحاضرين بأن المهر حق للمرأة، وأن التيسير في الزواج خلقٌ نبوي، وأن ما حدث في هذا الزواج حالة خاصة لا ينبغي أن تتحول إلى معيار اجتماعي يحتذي به الآخرون.
ففي الوقت الذي يقف فيه شباب وشابات أمام أبواب الزواج عاجزين عن تأمين منزل أو تكاليف حفل أو مهر معقول، يأتي نشر عقد يتحدث عن مليون دولار ونصف قصر , ليصنع ولو من دون قصد شعورًا بالمقارنة والعجز والإحباط.
الشاب الذي بالكاد يستطيع تأمين لقمة عيشه قد يرى هذا المشهد ويسأل نفسه: كيف سأنافس؟ وكيف سأتزوج؟ وهل أصبحت قيمة الرجل في قدرته المالية؟
والفتاة التي تحلم بالزواج قد تشعر أن عليها أن تطلب مهرًا يوازي ما تراه على مواقع التواصل، حتى لو كان ذلك فوق قدرة الشاب الذي تريد الارتباط به.
وهنا تكمن خطورة النموذج أكثر من خطورة العقد نفسه.
فالمشكلة ليست أن شخصًا ثريًا يستطيع دفع مهر كبير؛ وإنما أن يتحول هذا الاستثناء إلى صورة معلنة ومبهرة للزواج الناجح، في الوقت الذي يحتاج فيه المجتمع إلى نماذج معاكسة تمامًا: نماذج تقول للشاب «تزوج بما تستطيع»، وللأهل «يسّروا ولا تعسّروا»، وللفتاة «كرامتك ليست في عدد أصفار مهرِك»، ولرجل الدين «دورك ليس فقط أن تعقد، بل أن توجه وتنصح».
ولذلك، فإن مباركتنا للعروسين لا تمنعنا من إبداء هذا العتاب.
مبارك للعروسين زواجهما، ونسأل الله أن يكتب لهما السعادة والبركة. لكن كان الأجمل أن يبقى مقدار المهر شأنًا خاصًا بينهما، وألا يتحول إلى مشهد عام قد يزيد من أعباء الزواج النفسية والاجتماعية على جيل يعاني أصلًا من ظروف اقتصادية قاسية.
أما الشيخ، فمع تقديرنا لدوره الديني، فإننا نرى أن مسؤوليته الدينية كانت تقتضي أن يراعي أثر الصورة التي يقدمها للمجتمع، وأن يذكّر بأن الزواج في الإسلام باب للمودة والرحمة والعفاف، لا ميدانًا للمباهاة بالقصور وملايين الدولارات.
فليس كل ما هو جائز فقهيًا مناسبًا لأن يتحول إلى نموذج يُحتذى اجتماعيًا.
وفي زمن أصبحت فيه القدرة على الزواج حلمًا صعبًا لكثير من الشباب، نحن بحاجة إلى أن نجعل الزواج أسهل وأيسر وأقرب إلى الناس، لا أن نرفع سقفه إلى مستوى يشعر معه من لا يملك المال أنه غير قادر حتى على الدخول من بابه.
نسأل الله أن ييسّر الزواج لكل شاب وفتاة، وأن يعيد إلى مجتمعاتنا روح التيسير التي تجعل الزواج بابًا للستر والعفاف والمودة، لا بابًا للديون والمقارنات والإحباط.
موقع قلم حر




