
درع الوطن في مهب الانهيار: مأساة العسكريين المتقاعدين في لبنان بين تنصل الدولة ووجع الكرامة
حين يُذكر اسم القوات المسلحة اللبنانية، يتبادر إلى الذهب فوراً معنى التضحية والشرف والوفاء. هؤلاء الذين ارتدوا البدلة العسكرية كفنًا مؤقتًا لحماية ما تبقى من وطن، لم يخوضوا معاركهم على جبهات القتال فحسب، بل وجدوا أنفسهم، بعد عقود من الخدمة الميدانية الشاقة وفي خريف عمرهم، في مواجهة معركة شرسة من نوع آخر: معركة البقاء على قيد الكرامة وسط انهيار مالي واقتصادي هو الأسوأ في تاريخ لبنان الحديث.
إن واقع العسكريين المتقاعدين اليوم ليس مجرد أزمة معيشية عابرة، بل هو مرآة فاضحة لتآكل الدولة ومؤسساتها، وانعكاس لمدى التنكر لمن حموا أمنها القومي واستقرارها بسواعدهم ودمائهم.
1. التلاشي المالي: من ضمانة العيش إلى فتات لا يسد رمقاً
قبل خريف العام 2019، كان معاش التقاعد للعسكري اللبناني يمثل حدًا أدنى من الاستقرار المالي، يضمن له عيشًا كريمًا بعد ترجّله من صهوة الخدمة الفعلية. أما اليوم، وبعد الانهيار المروع لليرة اللبنانية والدولرة شبه الكاملة للاقتصاد، فقد تحولت تلك المعاشات إلى أرقام وهمية تفقد قيمتها يومًا بعد يوم.
الفجوة الهائلة: تقف الزيادات الحكومية المتقطعة والمساعدات المؤقتة عاجزة تمامًا عن ردم الهوة السحيقة بين الدخل والتكلفة الفعلية للمعيشة.
سياسة التسويف: تلجأ السلطة السياسية مرارًا إلى سياسة الترقيع، والوعود الزائفة، وتقسيط الحقوق، وربط تصحيح الأجور بانهيارات إضافية في سعر الصرف، مما جعل المتقاعد عاجزًا عن شراء أبسط مقومات الحياة.
2. الشارع والاحتجاج: صرخة غضب ضد الإجحاف الممنهج
لم يرضخ العسكريون المتقاعدون، من خلال “رابطة قدماء القوى المسلحة” و”تجمع العسكريين المتقاعدين”، لسياسة التجويع الممنهج. وقد تحولت الساحات ومحيط المؤسسات الرسمية (مجلس النواب، السراي الحكومي، وزارة المالية) إلى منصات دائمة للتعبير عن الغضب.
ترتكز مطالبهم العادلة والصلبة على أسس لا تقبل التنازل:
التصحيح الشامل والمستدام للرواتب والمعاشات: بما يتناسب مع مؤشرات التضخم الفعلية ويعيد الاعتبار لقيمة العطاء العسكري.
رفض الحلول المجزأة: الاعتراض على سياسة الترقيع والمماطلة في إعطاء الحقوق الكاملة للمتقاعدين.
المساواة العادلة: رفع الظلم عنهم في التعويضات العائلية والمساعدات المدرسية التي باتت تعجز عن تغطية أقساط المدارس والجامعات لأبنائهم.
إن قضية العسكريين المتقاعدين في لبنان تتخطى بكثير المطالب المعيشية الضيقة؛ إنها امتحان أخلاقي ووطني صارخ للدولة ومؤسساتها. فحين يُترك من حمى حدود الوطن وأمنه الداخلي يصارع العوز ويفقد القدرة على إطعام عائلته، فهذا يعني أن العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة قد تمزق بالكامل.
إن إنصاف المتقاعدين العسكريين ليس منّة ولا هبة، بل هو رد اعتبار لواجب وطني مقدس، فبدون كرامة العسكري، تفقد الدولة أركان وجودها، ويصبح الوطن بلا درع يحميه من غدر الأيام.


