📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

إياكم أن تعودوا إلى الدولة \ هنادي عباس

إنّ جلّ ما نعيشه اليوم هو أزمة في قراءة الواقع؛ واقع داخلي شديد التعقيد، ومتغيرات خارجية متسارعة، فيما لا يزال جزء من الخطاب السياسي يتعامل مع المشهد وكأنه حدث طارئ ظهر فجأة بين سطور الزمن.

لكن الحقيقة أن ما نعيشه هو حصيلة تراكمات طويلة صنعت واقعًا هشًا، وعمّقت الانقسام داخل المجتمع، وجعلت لبنان يواجه العاصفة فيما لا يزال عاجزًا عن إنتاج قراءة وطنية موحدة لما يجري.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نخطئ حين نعود إلى الدولة؟ أم أن الخطأ الحقيقي هو أن نعود إليها بالطريقة الخطأ؟

منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، لم يخرج لبنان بصورة مكتملة من دوائر التأثير والوصاية والرعاية الخارجية، مهما تبدلت التسميات والجهات. لقد حصل على استقلاله في الجغرافيا، لكن استقلاله في القرار ظل ناقصًا؛ فالاستقلال لا يكتمل بخروج قوة أجنبية من الأرض، بل بأن تصبح الإرادة الوطنية نابعة من الداخل، وألا يكون القرار اللبناني قابلًا للصياغة في الخارج.

ولهذا، فإن أي عودة إلى الوصاية أو الارتهان أو التدخل الخارجي، مهما تغيرت الوجوه والعناوين، تعني إعادة إنتاج الأخطاء نفسها بأدوات جديدة. فالوصاية تبقى وصاية، والتبعية تبقى تبعية، ولو ارتدت ثوبًا سياسيًا مختلفًا.

فإيّاكم أن تعودوا إلى الدولة قبل أن تتفقوا على الوطن.

وإيّاكم أن تعودوا إلى الدولة قبل أن تضبطوا ساعاتكم على ساعة الوطن.

وإيّاكم أن تعودوا إلى الدولة قبل أن تتفقوا على من هو العدو.

لكن العودة إلى الدولة ليست خطأ. بل هي اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، شرط أن تكون الدولة التي نعود إليها دولة مستقلة القرار، موحدة الداخل، قادرة على حماية أرضها وتحرير ما يحتله العدو، وإدارة علاقاتها الخارجية من موقع المصلحة الوطنية لا من موقع الحاجة.

وهنا تكمن حساسية اللحظة.

فلبنان يواجه عدوًا إسرائيليًا، والجنوب أرض لبنانية وتحريره مسؤولية وطنية لا تخص فئة دون أخرى. وفي مواجهة الاحتلال، لا يمكن أن يتحول الانقسام الداخلي إلى ثغرة تسمح بتثبيت الاحتلال أو توسيع رقعته. فالعدو لا يستفيد من ضعف القوة وحده، بل من ضعف الوحدة أيضًا.

لذلك، فإن وحدة الداخل ليست شعارًا سياسيًا؛ إنها جزء من الأمن القومي اللبناني.

ليس المطلوب أن يتفق اللبنانيون على كل شيء، لكن المطلوب أن يتفقوا على أن لبنان ليس ساحة مفتوحة، وأن الجنوب ليس ورقة تفاوض، وأن قرار حماية الأرض وتحريرها لا يجوز أن يصبح رهينة الانقسام الداخلي أو الحسابات الخارجية.

وهنا تحديدًا تكتسب عبارة الإمام موسى الصدر: «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه» معناها السياسي الأعمق.

فالنهائية تعني أن لبنان ليس وطنًا مؤقتًا لمشاريع الآخرين، ولا ساحة لوصايتهم، ولا ملكًا لفئة تستطيع أن تأخذه منفردة إلى المسار الذي تريده. تعني أن يكون القرار لبنانيًا، وأن تكون الدولة مرجعية الجميع، وأن تكون السيادة غير قابلة للتجزئة.

ولهذا، فإن الخطر لا يكمن فقط في وصاية خارجية مباشرة، بل في أن يأتي وجه جديد للوصاية عبر شريك داخلي تتقاطع خياراته مع مصالح خارجية، في لحظة يواجه فيها لبنان عدوًا واحدًا واضحًا هو إسرائيل. عندها يصبح الانقسام الداخلي أكثر من خلاف سياسي؛ قد يتحول إلى عامل يستفيد منه العدو لفرض وقائع جديدة على الأرض وتوسيع رقعة الاحتلال.

وهذا هو الخط الفاصل الذي يجب ألا نغفل عنه: أن نرفض الوصاية لا لنستبدلها بوصاية أخرى، وأن نعود إلى الدولة لا لنستبدل تبعية بتبعية، بل لنستعيد استقلال القرار.

الدولة التي نحتاجها ليست دولة طرف ضد طرف، بل دولة فوق الجميع، تحمي الجميع، ويكون قرارها نابعًا من المصلحة اللبنانية. دولة لا تستمد شرعيتها من الخارج، ولا تسمح لشريك فوق مؤسساتها أن يقرر عنها، وتحوّل حماية الأرض والسيادة وتحرير الجنوب إلى مشروع وطني جامع.

فربما كان استقلال لبنان الأول استقلالًا في الجغرافيا أكثر منه اكتمالًا في القرار.

واليوم، لا نحتاج فقط إلى استعادة الأرض، بل إلى استعادة القرار.

لأن لبنان لا يستطيع أن يواجه الخارج بداخلٍ مفكك، ولا أن يحرر أرضه فيما قراره موزع بين الداخل والخارج.

الاستقلال الحقيقي أن يكون لبنان حرًا في أرضه، مستقلًا في قراره، موحدًا في داخله.

لذلك، ليست المشكلة في العودة إلى الدولة.

المشكلة أن نعود إلى دولة تعيد إنتاج الوصاية بأوجه جديدة.

أما الدولة التي نحتاج إليها فهي التي تجعل من وحدة الداخل قوة في مواجهة العدوان، ومن استقلال القرار أساسًا للسيادة، ومن تحرير الجنوب قضية وطنية جامعة.

فالجنوب يحتاج إلى التحرير، ولبنان يحتاج إلى الاستقلال، وكلاهما يبدأ من نقطة واحدة:

أن يكون القرار لبنانيًا جامعاً وطنياً.

والسؤال الأهم اليوم هو:

ليس إن كنا نخطئ حين نعود إلى الدولة؛ بل إن كان بإمكان لبنان أن يستمر من دون أن يعود إليه؟!…

هنادي عباس

كاتبة وباحثة سياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى