
حين تكون المبادرة أكبر من جمعية، أين تذهب كفاءاتنا؟
عنا جمعية، بس مش متل أي جمعية.
جمعية ما انولدت كفكرة على ورق، ولا كمشروع موسمي ينتهي بانتهاء المناسبة. انولدت من روح آمنت أن الفرح، بحد ذاته، فعل مقاومة للحياة الصعبة.
من أكثر من ست سنوات، تعمل جمعية «نحنا قدّا» بإمكانات قد تكون محدودة، لكن بجهد كبير وعطاء من القلب. سنة بعد سنة، استطاعت أن تحوّل حفل الخريجين من حدث سنوي إلى موعد ينتظره الطلاب وأهلهم؛ مساحة فرح حقيقية في منطقة مرّت عليها أزمات وحروب وخسارات كثيرة، ومع ذلك أصرّت الجمعية أن تُبقي للناس نافذة يدخل منها الضوء، وأن تضع البسمة في مكانٍ كثر فيه الدمع.
خلف هذه المبادرة شاب نشيط، خلوق، مثقف وراقٍ، اسمه علي حيدر.
عاد من الغربة إلى بلده لأنه آمن بأن ما تعلّمه وما اكتسبه يجب أن يكون له مكان بين أهله وأبناء منطقته. ومن أرقى الدروب، درب التعليم، اختار أن يشق طريقه، مؤمناً بأن خير ما يملكه الإنسان ليس ما يحتفظ به لنفسه، بل ما يستطيع أن يقدمه لمجتمعه.
ولو أنه بقي بالغربة أنا أجزم لكان قد تبوء مناصب أعلى في بيئة ودول تحترم الإنسان بفكره قبل اي شي أخر
لكن قصة علي لا يجب أن تبقى قصة فرد يناضل ويركض ليبقى يحبو ببطء وأن كان يحقق النجاح في عمله أو في جمعيته فقط فالنجاح وحده لن يحدث الفرق الأكبر أن لم تستثمر بلادنا بطاقاتنا وتكسبنا ونحن نكسب أنفسنا قبل فوات الآوان .
هنا تبدأ الإشكالية الأكبر:
كم علي حيدر لدينا ولا نراه؟ وكم صاحب كفاءة يعمل بصمت، فيما المؤسسات عاجزة عن اكتشافه ومنحه المساحة التي يستحقها؟
حين نقول إن الفرص أمام هذه الطاقات قليلة، فالمشكلة ليست في أنها لا تصنع فرصها بنفسها؛ على العكس، كثيرون يصنعونها من لا شيء. المشكلة أن بلدنا يفتقد حوكمة حقيقية تستقطب الكفاءات، تحتضن المبادرات، وتحوّل الطاقات الفردية إلى قوة مجتمعية ومؤسساتية.
نحن بلد لا تنقصه العقول، بل تنقصه المنظومة التي تعرف أين تضع هذه العقول.
ولا تنقصنا الطاقات، بل نفتقد أحياناً عدالة الفرصة؛ أن يصل الإنسان إلى موقعه لأنه يستحقه، لا لأنه يملك الواسطة أو الباب الصحيح.
نجاح حفل الخريجين بالأمس ليس مجرد نجاح تنظيمي. هو نموذج صغير لما يمكن أن يحدث عندما يُمنح الإنسان مساحة ليعمل بما يؤمن به.
فإذا استطاعت مبادرة بإمكاناتها أن تصنع كل هذا الأثر، فكم نستطيع أن نصنع لو أصبحت لدينا دولة ومؤسسات تبحث عن الكفاءة قبل أن تضطر الكفاءة إلى البحث عن مكان لها؟
المشكلة في لبنان لم تكن يوماً في قلّة المبدعين، بل في قلّة الأبواب التي تُفتح لهم
✍️ هنادي عباس




