📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

مقالات

أنقذوا ما تبقّى من الجنوب قبل أن تعتادوا!!. بقلم الباحثة الأستاذة هنادي عباس

الجنوب لا يعيش مجرد جولة عسكرية. الجنوب يعيش خطر تحوّل الاستثناء إلى واقع. فالأخطر من القصف أن نعتاده، ومن التوغّل أن يصبح خبراً عادياً، ومن الأرض التي تتغير السيطرة عليها أن تتحول إلى رقم على الخريطة.

والاحتلال لا يحتاج دائماً إلى اجتياح كبير كي يتوسع؛ أحياناً يكفي أن يتقدّم قليلاً، يهدم كثيراً، يكرر العملية، ثم يترك للوقت مهمة تحويل ما فعله إلى أمر واقع.

وهنا يجب قراءة المنصوري جيداً، لا كقرية منفصلة عن صور، بل كجزء من جغرافيتها الساحلية الجنوبية.

المنصوري تقع جنوب مدينة صور وعلى امتداد الساحل نفسه. ولهذا فإن حجم التفجير والهدم والتوغلات المتكررة فيها لا يجوز اختزاله تلقائياً برواية «الأنفاق والبنية العسكرية». حين تصبح المنصوري مسرحاً متكرراً للعمل العسكري، فلا يبقى السؤال محصوراً بالمنصوري: بل يصبح عن صور أيضاً، وعن الساحل الذي يصل إليها.

فالمنصوري ليست هامشاً جغرافياً بعيداً عن المدينة. إنها على الطريق الساحلي جنوب صور، ضمن المجال الذي يصل قرى القطاع الغربي بالمدينة. ولذلك فإن أي محاولة لتغيير الواقع الميداني فيها تكتسب معنى يتجاوز حدود البلدة نفسها.

المنصوري بهذا المعنى ليست نهاية العملية؛ الخشية أن تصبح مدخلاً جغرافياً باتجاه المجال الساحلي لصور.

وهذا تحديداً ما يستوجب الانتباه: ليس الادعاء بأن احتلال صور بات واقعاً أو أن هناك خطة معلنة بذلك، بل رفض التعامل مع ما يجري في المنصوري كحادث موضعي منفصل عن موقعها.

حين تتكرر الضربة في المكان نفسه، لا يعود السؤال ماذا قُصف، بل لماذا هذا المكان تحديداً، وماذا يُراد للجغرافيا المحيطة به أن تصبح؟

والأشد خطورة أن يتكيّف اللبنانيون مع الخريطة الجديدة قبل أن تُرسم رسمياً.

نعتاد المنصوري، ثم نعتاد النبطية.

نعتاد علي الطاهر، ثم نعتاد التوغّل التالي.

نعتاد أن تبقى أرض خارج السيطرة الفعلية للدولة، ثم ندخل المفاوضات لنتفاوض على استعادة ما كان بالأمس حقاً غير قابل للنقاش.

هذه هي معضلة الجنوب اليوم: أن يتحول الزمن من عامل ضغط على الاحتلال إلى أداة لمصلحته.

كل يوم يمرّ على أرض يتعذر الوصول إليها، أو منزل يُهدم، أو قرية تتعطل عودة أهلها إليها، يجعل الواقع الجديد أكثر رسوخاً والكلفة السياسية لتغييره أكبر.

ومن الناقورة على الساحل، مروراً بالمحور الجنوبي لصور، وصولاً إلى القطاع الشرقي وجبل الشيخ، لا ينبغي قراءة التطورات كنقاط منفصلة. ليس لأن هناك دليلاً علنياً على خطة واحدة معلنة لاحتلال هذا الامتداد كله، بل لأن تراكم الوقائع العسكرية على الأرض هو ما يجب مراقبته، لا انتظار أن يعلن الاحتلال بنفسه خريطته المقبلة.

وفي اللحظة نفسها، جاءت صورة الأمم المتحدة بالأمس لتكشف مفارقة أخرى.

نتنياهو يتحدث من أعلى منبر دولي، فيما يغادر عشرات المندوبين القاعة احتجاجاً. صورة تعكس حجم الاعتراض الذي تواجهه إسرائيل دولياً، لكنها لا تعيد متراً واحداً في الجنوب.

وهنا المشكلة.

إسرائيل قد تخسر صورتها في نيويورك، لكنها تستطيع في الوقت نفسه محاولة تثبيت وقائعها على الأرض في لبنان.

لذلك لا تكفي بيانات الإدانة، ولا المفاوضات المفتوحة زمنياً، ولا انتظار الحرب الكبرى كي ندرك أن شيئاً كبيراً يحدث.

السؤال السيادي الحقيقي يجب أن يكون أكثر قسوة:

كم متراً تغيرت السيطرة عليه؟ كم قرية تعطلت العودة إليها؟ وأين كانت خطوط الجيش والاحتلال بالأمس، وأين أصبحت اليوم؟

لأن السيادة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بالأرض التي تستطيع الدولة الوصول إليها وبالمواطن الذي يستطيع العودة إلى بيته.

ومن هنا يجب أن يبدأ الإنذار:

أنقذوا ما تبقّى من الجنوب واستعيدوا الأرض.

ليس لأن الحرب الكبرى قد تقع بالضرورة، بل لأن الأخطر أن تتغير الجغرافيا من دون أن نشعر أننا في حرب على الجغرافيا.

أكثر الحروب خسارةً هي تلك التي نعتادها.

نعتاد الغارة، ثم التوغّل، ثم القضم، ثم الخط الجديد، حتى نستيقظ يوماً أمام خريطة مختلفة ونسأل متأخرين:

متى حدث كل هذا؟

والجواب سيكون أكثر إيلاماً:

حدث أمامنا، خبراً بعد خبر، ومتراً بعد متر، ورفعَ سقف احتمالية الحرب من جديد.

هنادي عباس

كاتبة وباحثة سياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى