
من هو الشهيد محمد زغيب ؟
محمد سعيد عقيل زغيب مواليد 1910 او 1914 يونين بعلبك ضابط بالجيش اللبناني انتسب للجيش اللبناني و تخرّج من المدرسة الحربية عام 1939. تميّز منذ بداياته العسكرية بالنزاهة والانضباط، وشارك في أحداث استقلال لبنان عام 1943، حيث وضع نفسه وجنوده في خدمة حكومة بشامون الوطنية، مما أدى إلى ترقيته إلى رتبة ملازم أول عام 1944 و بعد استشهاده رقي الى رتبة نقيب . عام 1956 بُنيت ثكنة للجيش اللبناني في مدينة صيدا سميت باسم ثكنة محمد زغيب تخليداً لذكراه.
مشاركته في حرب فلسطين 1948
في عام 1948، عُيّن النقيب زغيب ضابط ارتباط في القيادة العامة للجيوش العربية خلال حرب فلسطين. إلا أن حماسه دفعه إلى تقديم استقالته من هذا المنصب الإداري، ليتطوع في قيادة سرية من المقاتلين المتطوعين. قاد معارك عدة ضد القوات الإسرائيلية، أبرزها معركة الهراوي في الأول من أيار 1948، حيث تمكن من احتلال المواقع الدفاعية الأمامية رغم صعوبة المهمة .
بلدة المالكية قرية لبنانية وبقيت لبنانية حتى العام 1923 , ولكن بسبب التقسيمات بين الإنتدابين الفرنسي والبريطاني اصحبت المالكية من اراضي فلسطين . وهي تقع على بعد حوالي 500 متر من الحدود اللبنانية .
تُعدّ معركة المالكية عام 1948 من أبرز المحطات العسكرية في تاريخ الجيش اللبناني، ومن المعارك التي سجّلت بطولة استثنائية للضابط اللبناني الشهيد محمد زغيب، الذي قاد المفرزة اللبنانية في مواجهة القوات الإسرائيلية في شمال فلسطين.
معركة المالكية :
ليلة 14-15 أيار عام 1948 تحركت الكتيبة الأولى من اللواء اليهودي ” يفتاح ” وتمكنت من احتلال قرية قدس والمعسكر البريطاني خارج المالكية، وقرية المالكية نفسها، ولم يكن يدافع عن تلك المنطقة سوى عدد قليل من عناصر جيش الإنقاذ على رأسهم الملازم محمد زغيب الذي كان يقود المفرزة اللبنانية.
وقبل أن يعزز قائد الكتيبة الصهيونية مواقعه المحتلة، دفع العقيد أديب الشيشكلي – قائد قوات جيش الإنقاذ في الجليل – بمفرزتين من قواته تعاونتا مع وحدة من الجيش اللبناني للقيام بهجوم معاكس قوي أجبر القوات الصهيونية على الانسحاب من المنطقة كلها بعد أن خسرت عدداً كبيراً من رجالها، وبذلك تمّ استرداد المالكية والمعسكر وقدس. غير أن القوات اليهودية استطاعت إعادة التجمع والتنظيم وبدأت تستعد لاسترداد المالكية، لا سيما أن ” القائد العام للقوات العربية ” في عمان عدل الخطة السابقة التي كانت تحدد دخول القوات الشامية إلى فلسطين من الحدود اللبنانية، وحدد لهذه القوات محور ” سمخ “، وهكذا لم يبق في الشمال سوى وحدات جيش الإنقاذ والجيش اللبناني الذي كلف الدفاع فقط بموجب التعديل الذي أدخل على الخطة .
ليل 19 أيار تحركت قوة إسرائيلية معززة بالمدرعات إلى داخل الأراضي اللبنانية وقامت بالتفاف باتجاه المالكية من داخل الأراضي اللبنانية . ونجح العدو في مفاجأة المالكية واحتلالها رغم المقاومة العنيفة التي أبدتها القوات المدافعة عنها ، كما احتل “قدس” ونسف كافة الجسور المؤدية إلى تلك المنطقة، سواء من الأراضي اللبنانية أو الشامية .
قام قائد قوات جيش الإنقاذ فوزي القاوقجي بتجميع قواته، وقد الحق به فوج لبناني معزز بالدبابات بقيادة المقدم جميل الحسامي، وفوج البادية، بقيادة المقدم طالب الداغستاني، وعدة سرايا مستقلة وبطاريتي مدفعية .
تقرر أن يكون الهجوم يوم 6 حزيران الساعة الواحدة والنصف ظهراً لمفاجأة العدو الذي تعوّد انتظار الهجوم عند الفجر، وقد طلب القاوقجي مساعدة الطيران الشامي في استطلاع المنطقة بكاملها فاستطاع بذلك أن يعرف بدقة مواقع القوات الإسرائيلية ودرجة تحصينها ومناطق تجمع احتياطها .
وفي الوقت المحدد للهجوم بدأت مدفعية جيش الإنقاذ تصب نيرانها على مواقع العدو بينما تحركت قوات الهجوم نحو أهدافها. ودارت معارك عنيفة بين الجانبين، فيما الطيران الشامي يقوم بدوره في القصف والاستطلاع. لم ينته النهار حتى كانت المالكية قد استعيدت، وفي اليوم التالي تمّ استعادة قدس وتطهير المنطقة بكاملها من القوات المعادية. تميزت معارك المالكية بعنف القتال والتعاون الجيد بين قوات جيش الإنقاذ والجيش اللبناني والطيران الشامي .
روى هذه المعركة في مذكراته النائب الشهيد معروف سعد وكان يومها في مطلع شبابه:
“أتذكر روح قائدي وأخي ورفيق جهادي الشهيد النقيب محمد زغيب. كان لقائي به، بعد الدراسة، في ربيع 1948، وجحيم المعركة في أرض فلسطين ينذر بكارثة مروّعة. كنا في جنوبي لبنان على مرمى حجر من أرض المعركة. وتجمّع الفدائيون من لبنان: من بعلبك والشوف وقرى الجنوب وصيدا، يرفضون تقسيم فلسطين. وكنّا يومها في حاجة إلى من يقود جموع الفدائيين في أرض المعركة. والتقينا الملازم أول محمد زغيب الذي استأذن قيادة الجيش اللبناني للقيام بهذه المهمة. ثم انتقلنا مع البطل إلى أرض المعركة، وخضنا مع العدو معارك ضارية كبّدناه فيها خسائر كبيرة .
اتخذ البطل مركزاً لقيادته في المالكية . وبعدما هال العدو ما كبدناه من خسائر، قرر ضباط العدو الانتقام بشراسة وضراوة وحشيتين من الفرقة اللبنانية وقائدها الشجاع، فهيأوا هجوماً كبيراً خاطفاً على المالكية، وزحفوا علينا ليلة الخامس عشر من أيار. تنبه حراسنا الشجعان ودافعوا ببسالة، ووزع القائد جنوده بحكمة وإحكام. لا أزال أذكر الشهيد علي فرج، وكان متطوعاً معنا وهو في الخامسة والسبعين من عمره، يضحك كلما أصاب إسرائيلياً وأرداه، ويقول لي: “اشهد يا معروف… هذا واحد… اثنان… ثلاثة…” حتى أردى منهم سبعة، ثم أصابته رصاصة أسكتت مدفعه، فاقتربت منه ورأيته قد نام على مدفعه مبتسماً من سقوطه شهيداً في ساحة المعركة.
كان ذلك نحو السادسة صباحاً. وفيما أنا واقف قرب جثة علي، سمعت صوتاً ينهرني :
– معروف، خذ مكانك، أنا ذاهب من هنا.
التفت ورائي فإذا به القائد الحبيب يترك مركز قيادته، مدفعه في يده، ويذهب ليأخذ مكانه بين الجنود. خفت عليه، هرعت أقنعه بالعودة إلى مركز قيادته وألاّ يعرّض حياته للخطر فنحن في أقصى الحاجة إليه. لكنه لم يستمع إلي.
ولم يمر الوقت حتى أصابته رصاصتان من نوع “دمدم”: أولى في رأسه قرب الدماغ، والأخرى في صدره جهة القلب، مزّقت صورة لزوجته كان يحتفظ بها قرب قلبه. لم أستطع سحبه من أرض المعركة. عرضّت أن أحمله وأذهب به، فرفض. قال لي: “هيّئ لي مسدسي، إذا داهمنا العدو هنا، أطلق رصاصة على رأسي فلا يبلغونني إلا ميتاً. الضابط اللبناني يموت قبل أن يستسلم للعدو”. واختبأنا على البيدر وراء القش وقتاً طويلاً وهو ينزف بشدة ولا يبدو عليه الضعف، إلى أن خارت قواه .
ومع ساعات الهدنة الأولى، حين جاءت قوة لنقله إلى مستشفى صور، فتح عينيه المتعبتين وقال: “لا تتركوا المالكية، احتفظوا بها. لا تسجلوا عاراً على فرقة كنت أقودها” .
وإلى مستشفى صور، كانت القيادة، عن طريق النبطية، ترسل “الدم” مرات عدة في اليوم الواحد أملاً بإنقاذ حياته.
حين زرته بعد ثلاثة أيام، علمت أنه رزق بنتاً في طرابلس. وخلته سيحدثني عنها. لكنه بادرني أول دخولي عليه :
– معروف… أما زالت المالكية معنا ؟
وحين هززت رأسي “نعم” أغمض عينيه وارتسمت على شفتيه بسمة ارتياح. وعلمت أن تلك الكلمات كانت آخر ما نطق به، قبل أن يسلم الروح بعدها بيومين” .
المحامي نعمة حمادة كان من الذين تطوعوا للقتال في “معركة المالكية” وصدف أنه كان على مقربة من الملازم محمد زغيب وشهد إصابته، وبالتالي يشرح مشاهداته التي رواها فيما بعد ونشرت في الجزء الاول من كتاب “الخالدون – سير شهداء الحركة السورية القومية الاجتماعية”.
بعد أن يشرح نعمة، وكان طالباً في القسم الثاني من البكالوريا اللبنانية عن حماسه، وكثير من أترابه للاشتراك في معركة فلسطين، يروي كيف توجه وزميله محمد علي الرز، فيما تخلف التلامذة الآخرون، إلى كاراج بنت جبيل في بيروت، وصولاً إلى البلدة الجنوبية، فالالتحاق بالملازم محمد زغيب وقد سمع عنه وعرف أنه من بلدة “يونين” وعلى رأس قوة من المتطوعين في جيش الإنقاذ. في المالكية اجتمع نعمة حمادة بالملازم زغيب الذي رحب به لمعرفته بأهله وعائلته، مبدياً إعجابه بالطالب الصغير السن الذي لم يسبق له أن حمل السلاح، ومع ذلك يغادر مدرسته وبيته للالتحاق بجيش الإنقاذ. إلا أن الملازم زغيب راح يثني الرفيق نعمة عن البقاء، خاصة وهو كان يترقب معركة قريبة، فلم يجد منه سوى المزيد من الإصرار.
في تلك الغرفة الرابضة على مشارف المالكية حيث استضافه الملازم زغيب، والذي يمتد أمامها منبسط من السهل هو عبارة عن هضبة منحدرة ينتهي عند بلدة “النبي يوشع” الفلسطينية، سهر الرفيق نعمة مع الملازم زغيب يستمع إلى بعض آرائه في السياسة والعائلات اللبنانية،
يضيف نعمة حمادة: “نمت ليل المالكية نصف النوم، فقد كنت بين النائم واليقظان تتردد في نفسي عبارات الملازم محمد زغيب، كان يدخل بين الحين والآخر أشخاص إلى الغرفة، وأسمع أصواتاً لا أتبين مصدرها. وفجأة أفقت على الرصاص يلعلع قريباً جداً، فقمت مذعوراً، ودخل علي السائق محمد وأبلغني أنه يجب أن أبقى في مكاني لأن المعركة قد بدأت، واليهود صاروا داخل البلدة. انهلع قلبي، ولكنني تماسكت لأدلل على أني جدير بخوض معركة حربية. كان الصباح قد بدأ ينبلج، وخيوط الشمس تكشح العتمة وتعطي الدنيا لوناً رمادياً غامقاً، ثم لوناً فضياً ثم أطلت بأشعتها الذهبية، فإذا باليهود يتمترسون على سطوح البيوت، وكانت أصواتهم تلعلع: “قادومي.. قادومي..” أي إلى الأمام.. إلى الأمام.. والمجاهدون يتسابقون في التصدي لهم بين البيوت والأزقة والمنعطفات. خشيت أن يحتل اليهود البلدة ويأخذوني أسيراً إذا ما بقيت قابعاً أتطلع إلى المعركة الدائرة من ثقوب الباب وشقوق النوافذ، فخرجت من البيت. وكانت الساعة قد قاربت العاشرة والعراك محتدم … لقد نسيت ما أنا فيه. ومضيت إلى الجلّ المجاور للبيت، وكان جلاً مشرفاً على البلدة وعلى السهل المنبسط أمامها، وفيه بعض شجيرات التين، والصبير، وأشد ما كانت دهشتي وهلعي عندما رأيت الملازم محمد زغيب مسنداً ظهره إلى حائط قرب “صبيرة” وبندقيته بيده، والدم ينزف من صدره وقميصه وأكمامه، صرخت: محمد.. محمد.. هل أصبت؟ فأشار إلي بإصبعه أن أصمت.. فقلت له وقد صرت بقربه: تعال، أحملك، أو اتكئ علي، فقال: أنت لا تستطيع حملي، ولكنك تستطيع أن تستدعي أحداً من الرجال لينقلني من هنا، ومن عساي أستدعي وأنا لا أعرف أحداً ولا مكان أحد. بقيت برهة أتأمل ثم سرت عدة أمتار.. وإذ بثلاثة من المجاهدين يهبطون الجبل متلبدين واحداً إثر الآخر، ومن بينهم محمد سائق الملازم زغيب، وقبل أن أدلهم عل مكان الملازم كانوا يهجمون نحوه ليحملوه على أيديهم وظهورهم، فكنت أشارك في النظر وفي الاهتمام بحمل بعض جنادات الخرطوش، فوجدتها جميعها فارغة.. ساروا بجانب الحائط، وسرت وراءهم كالمسحور، وفي ظني أنهم يعودون به إلى البيت الذي نمت فيه، ولكنهم راحوا إلى ناحية أخرى وما إن وصلوا إلى طريق رملية حتى كانت سيارة جيب تأتي لنجدتهم، صعد إليها الملازم محمد وأصعدني معه، وقال لسائقه محمد ولمن كان معه هذه العبارة التي لا أنساها : “ابقوا أنتم هنا حتى أعود.. ولا ترموا سلاحكم..” .
فكان سائقنا هذه المرة شخصاً أجنبياً، علمت فيما بعد أنه يوغسلافي الجنسية ، قليل الخبرة بالزواريب فأخذ الملازم محمد يرشده بإصبعه دون كلام حتى سلكنا الطريق الرئيسية إلى بلدة “يارون” وهناك واكبتنا سيارة تابعة لقوات العقيد أديب الشيشكلي إلى مستشفى بنت جبيل، حيث أجريت للملازم محمد الإسعافات الأولية. ومن بنت جبيل انتقلنا في سيارة جيب أخرى بقيادة محمد (سائق الملازم زغيب) يصحبنا الأستاذ إبراهيم بزي، إلى مستشفى الدكتور سعد الله الخليل في صور .
كانت إصابة الملازم محمد في صدره: رصاصة واحدة اخترقت ثديه الأيسر عند جيبة القميص فثقبت تلك الجيبة وثقبت معها بطاقة الهوية.. وورقة نقدية بمائة ليرة لبنانية واحدة، لم يكن يملك سواها، كانت موضوعة بالجيبة.
النقيب زغيب بعد ان قدمت له الإسعافات الأولية في بنت جبيل نقل الى مستشفى فلسطين التي عرفت لاحقا باسم مستشفى الدكتور سعد الله الخليل داخل مخيم البص في مدينة صور لتلقي العلاج ان ان فاضت روحه الى بارئها نتيجة خطورة اصابته .
المصادر :
معركة المالكية للأمين لبيب ناصيف
موقع الحزب القومي السوري
مجلة الجيش اللبناني
اللقاء الثقافي بعلبك






