
مع اقتراب فصل الشتاء وموسم الأعياد، تزداد التحدّيات المرتبطة بالحفاظ على وزن صحي وتوازن غذائي سليم، في ظلّ تنوّع الأطباق والحلويات وتراجع النشاط البدني لدى كثيرين. لكنّ الحفاظ على رشاقة الجسم لا يعني بالضرورة اتّباع حميات قاسية أو الحرمان من الأطعمة المفضّلة، بل يعتمد على فهم مكوّنات الجسم، والتوازن بين الكتلة العضلية والدهون، واعتماد عادات غذائية صحية ومستدامة.
وفي هذا الإطار، نسلّط الضوء على مفهوم تركيبة الجسم (Body Composition) وأهميّته في تحقيق خسارة وزن صحية، بعيداً عن الحلول السريعة التي قد تؤثّر سلباً على العضلات والصحة العامة، إلى جانب التعرّف على دور الوجبات المتوازنة، ومخاطر الحميات القاسية، ومدى فعالية إبر خسارة الوزن، في ظلّ الانتشار الواسع للنصائح الغذائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وللإضاءة على هذه المواضيع، كان لنا هذا الحوار مع أخصائية التغذية كريستي الشويري:
– مع اقتراب فصل الشتاء وموسم الأعياد، كيف يمكن الحفاظ على تركيبة الجسم (Body Composition) بطريقة صحية من دون اللجوء إلى حميات قاسية؟
للحفاظ على تركيبة الجسم خلال موسم الأعياد، من الضروري الاستمرار في تناول وجبات متوازنة تحتوي على البروتينات، مع التركيز على مصادر البروتين قليلة الدهون، مثل الأسماك ومشتقاتها، وصدر الدجاج، واللحوم قليلة الدهون، والأجبان والألبان قليلة الدسم. كما تناول العدس والحمص والفول، التي تُعدّ من المصادر الغذائية المفيدة وتوفّر البروتين. ومن المهم أيضاً الإكثار من تناول السلطات والخضراوات، والانتباه إلى كمية الزيوت المستخدمة في تحضير الطعام والصلصات المضافة إلى الوجبات، إذ يُفضّل استهلاكها باعتدال. أما إذا تناولنا قطعة من الحلوى أو وجبة نفضّلها خلال الأعياد، فلا داعي للشعور بالذنب أو الامتناع عن تناول الطعام في اليوم التالي لتعويض ما تناولناه. المطلوب هو العودة إلى نظام غذائي متوازن، مع الحفاظ على النشاط البدني وممارسة الرياضة بانتظام. فالهدف ليس الحرمان، بل تحقيق التوازن والاستمرارية.
– ما هي الوجبات الصحية والسهلة التي يُنصح بتناولها في الحياة اليومية لضمان تغذية سليمة والحدّ من تراكم الدهون في الجسم؟
ليس من الضروري أن تكون الوجبات الصحية معقّدة أو أن تتطلّب وقتاً طويلاً لتحضيرها. يمكننا اختيار الخبز الأسمر أو خبز القمحة الكاملة، مع تفضيل الخبز الذي يحتوي على نسبة أعلى من الألياف، وإضافة الأجبان قليلة الدسم، مثل الجبنة البيضاء، أو شرائح الحبش.
كذلك، تُعدّ المعلّبات مثل الفول والحمص، خيارات سهلة وسريعة التحضير، شرط غسلها جيداً قبل تناولها. ويمكن أيضاً تحضير وجبات خفيفة ومتوازنة، مثل الفتّة، مع الانتباه إلى مكوّناتها وكميات الدهون المستخدمة في إعدادها. ومن المهم أن نعرف أنّ تناول الطعام الصحي لا يستلزم دائماً اللجوء إلى المطاعم أو شراء وجبات جاهزة تحمل وصفاً صحياً؛ إذ يمكن تحضير خيارات مغذّية ولذيذة في المنزل بسهولة. والأهم هو اختيار المكوّنات المناسبة والتحكّم بالكميات، بما يتلاءم مع احتياجات الجسم اليومية.
– كثيرون يحاولون خسارة الوزن بسرعة، فما الأخطاء الأكثر شيوعاً التي تؤثّر سلباً على الجسم والعضلات؟
من أبرز الأخطاء اتّباع أنظمة غذائية قاسية جداً بهدف خسارة الوزن بسرعة، إذ قد تؤدي إلى نقص بعض الفيتامينات والمعادن الأساسية، مثل فيتامين B12 والحديد، خصوصاً عندما لا توفّر الحمية احتياجات الجسم الغذائية. ومن الأخطاء الشائعة أيضاً تقليل الكربوهيدرات بشكل مبالغ فيه أو الامتناع عنها تماماً، رغم أنّها تشكّل مصدراً أساسياً للطاقة، إذ يساهم الغلوكوز في تلبية احتياجات الجسم، كما أنّ الكربوهيدرات تؤدّي دوراً مهماً في دعم الأداء الرياضي وبناء العضلات إلى جانب البروتينات. عندما نخسر الوزن بسرعة، لا نخسر الدهون وحدها بالضرورة، بل قد نخسر أيضاً جزءاً من الكتلة العضلية. وهذا الأمر قد يؤثّر سلباً على القوة البدنية ومعدّل الأيض، فضلاً عن زيادة خطر نقص العناصر الغذائية الضرورية. لذلك، يجب أن تكون خسارة الوزن تدريجية ومدروسة، من خلال نظام غذائي متوازن يضمن حصول الجسم على احتياجاته ويحافظ على العضلات قدر الإمكان.
– ما الفرق بين خسارة الوزن وخسارة الدهون؟ وكيف يمكن للشخص أن يعرف إذا كان يخسر دهوناً أم كتلة عضلية؟
إن خسارة الوزن لا تعني بالضرورة خسارة الدهون، إذ قد تشمل خسارة الكتلة العضلية أو السوائل أو الدهون، بحسب طبيعة النظام الغذائي المتّبع والتغيّرات التي تطرأ على الجسم. لذلك، لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرّد انخفاض الرقم الذي يظهر على الميزان، بل الحفاظ على الكتلة العضلية أو زيادتها قدر الإمكان، بالتوازي مع خفض نسبة الدهون في الجسم. ويمكن متابعة هذه التغيّرات من خلال فحص تحليل تركيبة الجسم (Body Composition Analysis)، الذي يتوافر في بعض عيادات أخصائيي التغذية والمراكز الطبية، باستخدام أجهزة مخصّصة او لدى بعض الاطباء. يساعد هذا الفحص على تقييم التغيّرات التي تحدث خلال اتّباع نظام غذائي معيّن، ومعرفة ما إذا كانت خسارة الوزن مرتبطة بانخفاض الدهون أو بتراجع الكتلة العضلية أيضاً. ومع ذلك، ينبغي تفسير النتائج وفقاً لنوع الجهاز وظروف إجراء الفحص، ومقارنتها على مدى الوقت للحصول على تقييم أدقّ.
– ما رأيكِ بالإبر المخصّصة لخسارة الوزن التي انتشرت مؤخراً؟ وهل تُعتبر حلاً صحياً وآمناً للجميع؟
تُستخدم إبر خسارة الوزن في حالات معيّنة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو زيادة الوزن المصحوبة بمشكلات صحية، مثل السكري أو ارتفاع الكوليسترول أو ضغط الدم، أو تراكم الدهون على الكبد، وذلك وفقاً لتقييم الطبيب المختص. تساعد هذه الأدوية على تعزيز الشعور بالشبع وتقليل الجوع والشهية، ما قد يساهم في خسارة الوزن. لكنّها ليست مناسبة للجميع، ولا يجوز استخدامها من دون وصفة طبية وتقييم دقيق للحالة الصحية، كما أنّها قد تسبّب آثاراً جانبية وتستلزم متابعة طبية منتظمة. ومن الضروري أن تترافق هذه العلاجات مع متابعة لدى أخصائية التغذية، لضمان حصول الجسم على احتياجاته من البروتينات والفيتامينات والمعادن، ومراقبة التغيّرات في تركيبة الجسم والحفاظ على الكتلة العضلية قدر الإمكان. فالأهم ليس خسارة الوزن وحدها، بل خسارة الدهون بطريقة صحية، مع الحدّ من فقدان العضلات وتجنّب نقص العناصر الغذائية. لذلك، لا يمكن اعتبار هذه الإبر حلاً سحرياً أو بديلاً عن نمط الحياة الصحي، بل هي خيار علاجي قد يكون مناسباً لبعض الأشخاص دون غيرهم، وفقاً لتقييم الطبيب.
– مع انتشار النصائح الغذائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كيف يمكن التمييز بين المعلومات الصحيحة والترندات المضلّلة؟
للتحقّق من صحّة المعلومات الغذائية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجب أولاً التأكّد من مؤهّلات الشخص الذي يقدّمها، وأن يكون اختصاصياً مؤهّلاً في مجال التغذية، يمتلك الشهادات العلمية اللازمة والخبرة المهنية. ومن المهم أيضاً معرفة ما إذا كانت المعلومات تستند إلى دراسات علمية حديثة وموثوقة، أم أنّها مجرّد نصائح متداولة أو ترندات انتشرت بين الناس من دون أدلّة علمية كافية. فليس كلّ ما ينجح مع شخص معيّن مناسباً للجميع، إذ تختلف الاحتياجات الغذائية من شخص إلى آخر وفقاً لحالته الصحية، وطبيعة جسمه، ونمط حياته، وأهدافه. لذلك، من الأفضل الاستعانة بأخصائية تغذية تتابع الحالة بشكل فردي، وتضع نظاماً غذائياً مبنياً على تقييم الاحتياجات الشخصية، بدلاً من اتّباع حميات أو نصائح عامة قد لا تناسب الجسم، أو قد تسبّب أضراراً صحية عند تطبيقها بطريقة خاطئة.
وفي النهاية، تبقى الثقافة الغذائية الصحيحة، والاعتماد على المصادر العلمية الموثوقة، والاستشارة المتخصّصة، من أهمّ الوسائل لاتّخاذ قرارات صحية سليمة بعيداً عن المعلومات المضلّلة والترندات المؤقّتة.




