📊 موقع قلم حر | الأسواق العالمية

🛢 خام برنت

🥇 الذهب

💵 العملات

فنون وحرفيات

كتب الأستاذ يونس زلزلي : صور …

*صُور*

كأنَّها غواية أمواج البحر في الإبرار، أو كأنَّها هواية أفواج البرّ في الإبحار. هي أمُّ قرطاجة وناووس حيرام وناقوس خريستينا وخريطة مارينوس وقصيدة عبد المحسن الصُّوريّ. هي النَّواتي الذين يرتادون العواتي من كلّ المآتي. هي الملَّاخون انعتق الأفق بمجاديفهم شراعا، وهي الفلَّاحون ائتَلَقَ المدى بمجاريفهم شعاعا.

صور عصيَّةُ الدَّهر ومعصية الشِّعر. هي المدينة التي تسرج خيول أحلامها مُطَهَّمَةً في رحلة التَّجلّي، وتجتدي كينونتها من تبرها وترابها ومن لؤلؤها المكنون، لتصير سيِّدة البحار.

يعدو عليها الزّمان فتغتدي إلى وُكُنات مروجها وثُكُنات بروجها، وتتدرَّع بقلوبنا وأذكارنا لتدرأ عَدوَ الزّمان وعدوانه. هي المدينة الرَّابضة نصفًا في أعماق المتوسِّط ونصفًا في أحداق جبل عامل تتّكئ على صخوره في جبهات الاحتراب القسريّ، وتتوكَّأ على عصا التَّرحال في جهات الاغتراب الطَّوعيّ، فلا يبتلعها احتراب، ولا يقتلعها اغتراب، لأنَّها راسخة أسواقًا وعُشَّاقًا وبساتين ليمونٍ وزيتون، وسفين بحَّارةٍ لا يتعبون. هي صور فضاءٌ يتمدَّد على أريكة الرِّمال، وقضاءٌ يتعوَّدُ عريكة الجبال. هي أسوارٌ من حرير الأرواح، وأسرارٌ من أثير الأفراح. هي حقيقتنا المعتَّقة في دنان الأمَدِ الغابر، وحديقتنا المعلَّقة في جنان البلد العامر.

صور في دنيانا هي سدرة منتهانا، نمتهن في حاراتها كارات الوجود والوجد. حبُّها حرفةٌ لا ترهقها البطالة، وحرفٌ لا تنهكه الكَلالة، لأنّ هذا الحُبّ قدرٌ تستضيء به ذِمارُها التئامًا بعد كلّ دمار. أمَّا ناسها فهم حرَّاس ذاكرتها وحاضرها، يختزنون في زوايا بيوتهم وجوههم وحكاياتهم، ويوصدون قلوبهم بمفاتيح الاستذكار، ويرصدون دروبهم بمصابيح الاستبصار. ولهم في أدب الحياة وفنِّها وعلمها ألف بابٍ وباب، وألف كتابٍ وكتاب.

ذريني أيَّتها الحياة طليقًا هاشلًا أغدو وأروح من قرى صور إليها تتلبَّسني خطى أليسار تجوب بين دساكر صور ومداشر قرطاجة. إنّها صور، تعاريج أرضنا ومعاريج سمائنا. بين نواقيس كنائسها وفوانيس مساجدها يلتقي النَّاس على محبَّةٍ سواء. وَهجُ رحيقها طُيوب المباخرُ، ونهجُ طريقها ضروب المآثر. هي بهجة عمراننا ومهجة إنساننا. نتهجَّى حروفها الثَّلاثة صادًا صَبَّت الصَّبا والصَّبابة للصَّديان، وواوًا وَدَقَتْ وِردَها وابلًا للوديان، وراءً رفعت رأسها للرَّاسيات رفرفًا، ورَكَّسَتْهُ ركوعًا للرَّحمن.

تدور الأرضٍ حول نفسها، أمَّا صور، فتدورحول قلوبنا. تظلِّلها في رحلة الوجود غمامةٌ من نعمة البَرِّ السَّلام تجلَّت رحمةً بعِمامة موسى الصَّدر الإمام، لتسمو بآلاء ربِّها أعلى من البحر والضِّفاف، وأسمى من سنواتنا العِجاف. تضيئها المواسم وكلّ مواسمها ربيع، سواءٌ أكانت أعراسًا أم جنائز، فهؤلاء زهرة شبابها المنذورين للحُبِّ والحرب، وسبيلهم سلسبيل دمعٍ ونجيع، وسريرهم مهدًا وكوشةً ونعوشا هو ثرى صور الذي يعلِّقهم ثُرَيَّا مجده الأثيل، ويحفظ أسماءهم حرزًا متينًا وحصنًا حصينا، ويهدهدهم بترويدة من شغاف الفؤاد وهتاف الجهاد، ويحرس أحلامهم ليمسوا ويصبحوا على وطن يسمو بتضحياتهم.

وتتعالى تخوم صور تعانق النّجوم، ففلذات كبدها وحبَّات قلبها ثوت في التُّراب، لكنّ أرواحهم ارتفعت على كفوف الدُّعاء تلهج به الأمَّهات اللواتي ربط الله على قلوبهنّ، فقَرِرنَ عينًا حين وضعنَها بعين الحيّ القَيُّوم. ثمَّ يلبث حارسها الدّهري النّبي اسماعيل في مقامه العتيق عند صخراتها السَّبع على شاطئها الجنوبيّ يرصد مَدّ بحرها وجزره، لا تثنيه القوافل والجحافل عن نوبة حراسته المؤبَّدة لحياضها ورياضها، ونكمل نحن من حوله طقوس عشقنا وتقاليد انتمائنا إلى المدينة سرًّا وجهرا. نداوي جرحها النَّازف وقلبها الواجف بحُبِّنا الجارف، ونُداري حُسنَها الرَّائد بخوفنا الزَّائد من نظرة عينٍ ترمقها حاسدة، أو من غدرة قلبٍ يخفق إزاءها جاحدا.

في صور ممرَّاتٌ لا تُفضي إلَّا إلى المَسرَّات. في صور فنارٌ بل منارٌ يعصمُ من التِّيه. تقودنا إلى صور بوصلة القلب، فنفد إليها نطارد الأفراح ونطرد الأتراح. فهي مرساةٌ من إنجيل الأمان، ومشكاةٌ من نور القرآن. في صور عذوبةٌ لا تأفُل، وخصوبةّ لا تمحَل. هي أرض بردنا ودفئنا وسلامنا. نُودِعُها سوانح أفكارنا وخواطرنا، ونجعلها في نواظرنا ومخبآت مشاعرنا حبيبةً أولى موشَّحةً بزرقة موجها، وخُضرة حقولها، وسُمرَةِ بحَّارتها.

ترفل صور بثوبها القشيب وتتبختر امام القاصي والدَّاني سيِّدةً تنعقد حول خصرها الأهيف البراري والبحار، وينعقد عليها الأمل أن تظلَّ قِبلتَنا الأثيرة وصِلاتنا الدَّائمة بالله والوطن والإنسان.

امتشقت قلمي لأجلوَ عن وجه صور الحَزَن شاهرًا حُبّي وحبري لينقشع الغبار والرَّماد من حول بحرها وبرِّها. فسلامٌ عليك أيَّتها المدينة السَّيِّدة فاغمةً بالأريج والطُّيوب عروسًا لمدائن الجنوب ترنو إلى المتوسِّط بقلبٍ أبيض فيه بصيص إيمانٍ لا ينطفئ، وتُلَوِّحُ له بيدٍ بيضاء فيها أصيصُ ريحانٍ لا ينكفئ.

*يونس زلزلي*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى